احتجاز النساء المهاجرات في ليبيا تحت إشراف الرجال: انتهاك للقانون والكرامة الإنسانية
احتجاز النساء المهاجرات في ليبيا تحت إشراف الرجال: انتهاك للقانون والكرامة الإنسانية
كتبه: سلمى عداس
لا شيء يمكنه أن يصف حجم الخوف والمهانة التي تعيشها النساء المهاجرات في ليبيا، حين يجدن أنفسهن محتجزات خلف أبواب مغلقة، دون حماية أو سند، تحت إشراف رجال غرباء لا يراعون حرمة جسد ولا كرامة إنسان. هؤلاء النساء اللاتي هربن من الفقر والحرب والاضطهاد بحثًا عن حياة آمنة، يجدن أنفسهن في مواجهة انتهاكات جديدة أشد قسوة، تجردهن من إنسانيتهن وتترك ندوبًا نفسية عميقة قد لا تندمل أبدًا.
وسط هذا المشهد القاتم، تتلاشى النصوص القانونية التي صاغها المشرع الليبي لحماية النساء. فالقانون يكتب حماية وكرامة، أما الواقع فيكتب إذلالًا وانكسارًا… وهنا يبدأ سؤال المقال: كيف تُهدر كرامة النساء المهاجرات في مراكز احتجاز يشرف عليها رجال رغم وضوح القوانين؟
“قبل أن نستعرض النصوص القانونية التي تحمي النساء في ليبيا، لا بد أن ندرك حجم الفجوة بين القانون والتطبيق”
القانون الليبي : نصوص تحمي ولكنها لا تطبق
ينظم القانون الليبي بوضوح كيفية احتجاز النساء ويشدد على احترام خصوصيتهن وكرامتهن الإنسانية. ينص قانون نظام السجون رقم (5) لسنة 2005 بشأن تنظيم المؤسسات العقابية في مادته (32) على أنه:
“يجب أن تُدار السجون المخصصة للنساء بإشراف مأمورات نساء، ويتولى النساء فقط حراسة السجينات وتفتيشهن، ولا يجوز للرجال الاقتراب منهن إلا في حالة الضرورة القصوى، وتحت إشراف مأمورة مسؤولة.”
كما ينص قانون الإجراءات الجنائية الليبي في مادته (43) على أن:
“إذا كان الشخص المراد تفتيشه أنثى، وجب أن يكون التفتيش بمعرفة أنثى يندبها لذلك مأمور الضبط القضائي.”
ويكرس القانون رقم (20) لسنة 1991 بشأن تعزيز الحرية وحقوق الإنسان في مادته (2) مبدأ:
“حرية الإنسان وكرامته مصونة، ولا يجوز القبض على أي شخص أو تفتيشه أو حبسه إلا وفق أحكام القانون، وبما يحفظ كرامته.”
ورغم وضوح هذه النصوص، يكشف الواقع الليبي في العامين 2024 و2025 عن استمرار الانتهاكات بحق النساء المهاجرات في مراكز احتجاز تشرف عليها أو تديرها جهات متعددة، بعضها رسمي وبعضها خارج عن سلطة الدولة.
#الجهات_التي_تحتجز_النساء_المهاجرات_وطالبات_اللجوء_في_ليبيا
تتعدد الجهات التي تحتجز النساء المهاجرات وطالبات اللجوء في ليبيا، وتشمل مراكز رسمية تتبع جهاز الهجرة المنضوي تحت وزارة الداخلية، مثل مركز احتجاز شحات في الشرق الليبي، مركز قنفودة بنغازي، مركز أجدابيا، مركز سرت، مركز تاجوراء، ومراكز سبها وبراك الشاطئ في الجنوب، بالإضافة إلى مراكز العسة وغدامس التابعة لحرس الحدود. غالبًا ما تخلو هذه المراكز من وجود كوادر نسائية متخصصة، رغم حساسية أوضاع المحتجزات القانونية والإنسانية
كما تدير الأجهزة #العسكرية التابعة للحكومة سجونًا ومراكز احتجاز تستقبل النساء المهاجرات وطالبات اللجوء، منها جهاز مكافحة التهديدات الأمنية، قوة دعم المديريات في المنطقة الغربية، فرقة التدخل الخاصة المعروفة بـ “المقنعين”، جهاز دعم الاستقرار (سابقًا)، والكتيبة 55 مشاة ورشفانة.
إنتهاكات صادمة خلف القضبان
ورغم أن وزارة الداخلية لديها كوادر نسائية وتطلق أحيانًا حملات ميدانية تتضمن عناصر نسائية للقبض على النساء، إلا أن غالبية هذه الجهات تعتمد في إدارة المراكز ونقل المحتجزات وتفتيشهن على الرجال دون أي إشراف نسائي، ما يفتح الباب أمام الانتهاكات ويجعل بيئة الاحتجاز غير آمنة وغير إنسانية.
#التفتيش_الجسدي_والانتهاكات_المرافقة
تشير تقارير هيومن رايتس ووتش وأمنيستي 2024 إلى أن النساء المهاجرات يتعرضن للتفتيش الجسدي على أيدي رجال دون وجود شرطيات أو مأمورات، ما يمثل انتهاكًا صارخًا للقوانين الليبية والدولية.
تحكي فاطوماتا ، مهاجرة من غينيا عمرها 26 عامًا، محتجزة عام 2024 في مركز احتجاز قرب طرابلس:
“عندما قبضوا علينا في الطريق وضعونا في شاحنة حديدية مغلقة. كان الحراس رجالًا، يحملون بنادق طويلة. كلما بكت واحدة منا كانوا يصرخون عليها ويضربونها بأيديهم أو بأعقاب البنادق. لم نتمكن من التنفس أو الجلوس بشكل مريح، وكنا نشعر أننا نموت قليلًا في كل دقيقة.”
ظروف الاحتجاز والمعاملة أثناء الاستجواب أو النقل
أما أثناء النقل، فتُوضع النساء في سيارات مغلقة مع رجال مسلحين دون أي اعتبار لسلامتهن النفسية أو الجسدية.
تروي عائشة ، مهاجرة من مالي عمرها 29 عامًا، محتجزة عام 2024 في مركز يتبع جهاز مكافحة الهجرة بمصراتة:
“لم يكن في المكان أي امرأة للحراسة أو التفتيش. الرجال هم من فتشونا وضحكوا علينا ونحن عرايا. بعد التفتيش نقلونا إلى الزنازين، كان الطريق طويلًا ومليئًا بالرجال المسلحين الذين ينظرون إلينا وكأننا لا شيء.”
خاتمة: تحذير وتنبيه
إن احتجاز النساء المهاجرات وطالبات اللجوء في مراكز وسجون يشرف عليها رجال يمثل انتهاكًا صارخًا للقوانين الليبية والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. هذه الممارسات تحرم النساء من أبسط حقوقهن، وتترك آثارًا نفسية وجسدية عميقة، وتكرس ثقافة الإفلات من العقاب.
كما يعرض استمرار هذه الانتهاكات ليبيا لإدانة دولية واسعة وعواقب دبلوماسية وإنسانية خطيرة، قد تشمل فرض قيود على التعاون الأمني والمساعدات، وتقويض سمعتها الحقوقية أمام هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، إضافة إلى فقدان الثقة في قدرتها على احترام أبسط مبادئ الكرامة الإنسانية.
لذلك، على السلطات الليبية اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لضمان فصل النساء عن الرجال في جميع أماكن الاحتجاز، وتعيين مأمورات وشرطيات نساء للإشراف الكامل على النساء المهاجرات وطالبات اللجوء، بما يحفظ كرامتهن ويصون إنسانيتهن وفق القانون والشريعة والقيم الإنسانية المشتركة، ويجنب الدولة عواقب وخيمة على المستوى الحقوقي والسياسي الدولي.
“إن النساء لسن مجرد أرقام في سجلات الاحتجاز، بل أرواح تبحث عن كرامة مفقودة.

