بيان حقوقي: التعليم في ليبيا على المحك

بمناسبة اليوم الدولي للتعليم، كان مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء من بين المنظمات الحقوقية والمؤسسات الليبية الموقعة على بيان مشترك يحذر من استمرار تدهور قطاع التعليم في ليبيا، نتيجة الانقسام السياسي وضعف التخطيط والإدارة العامة، وما ترتب على ذلك من انتهاك متزايد لحق الأطفال في تعليم منتظم وآمن وذي جودة.

ويشير البيان إلى أزمات هيكلية برزت خلال العامين الدراسيين الأخيرين، من بينها التأخر في طباعة وتوزيع الكتب المدرسية، تعثر صيانة المدارس، الاكتظاظ داخل الفصول واللجوء إلى فترات دراسية استثنائية في بيئات تعليمية غير مهيأة كما يلفت إلى مخاطر القرارات التعليمية الصادرة خارج الأطر المؤسسية، وتأثيرها السلبي على توحيد المناهج وجودة العملية التعليمية.

ويركز البيان على أوضاع الفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك الأطفال حاملو الرقم الإداري، وأطفال المناطق النائية، والطلبة النازحون، والأطفال المهاجرون وطالبو اللجوء، الذين لا يزال كثير منهم يواجه عراقيل إدارية وأمنية تحول دون انتظامهم في التعليم، في مخالفة واضحة لمبدأ عدم التمييز.

ويختتم البيان بدعوة وزارة التعليم والجهات ذات  العلاقة إلى تبنّي إصلاحات عاجلة وشاملة تضمن الحق في التعليم لجميع الأطفال المقيمين في ليبيا دون استثناء، وتفعيل آليات رقابة وشكاوى فعّالة، باعتبار التعليم ركيزة أساسية لتحقيق السلام والتنمية المستدامة.

  • مشترك لمنظمات حقوقية ليبية بمناسبة اليوم الدولي للتعليم
  •  التعليم ركيزة السلام والتنمية
  • لتلاميذ في لمدارس لليبية يدفعون ثمن الانقسام السياسي

يُعدّ الحق في التعليم من الركائز الأساسية لحقوق الإنسان، إذ نصّت عليه صراحة المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، باعتباره حقًا مكفولًا لكل شخص، كما كرّسته اتفاقية حقوق الطفل بوصفه التزامًا قانونيًا على الدول الأطراف، ومن بينها ليبيا. ويقتضي هذا الالتزام ضمان التعليم الأساسي المجاني والإلزامي لجميع الأطفال، وتوفير فرص متكافئة للالتحاق بالمدارس والاستمرار فيها، دون أي تمييز بسبب الجنس أو اللون أو الأصل أو الوضع القانوني أو الإداري ، باعتبار أن التعليم ليس امتيازًا بل حقًا لا يجوز تقييده أو الانتقاص منه تحت أي ذريعة. يحلّ اليوم الدولي للتعليم في ليبيا في ظل استمرار معاناة قطاع التعليم من أزمات متراكمة، تفاقمت خلال عام 2025 نتيجة الانقسام السياسي، وضعف التخطيط، وتراجع كفاءة الإدارة العامة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حق الأطفال في الحصول على تعليم منتظم، آمن، وذي جودة.

لقد تأثر المسار التعليمي في ليبيا لسنوات متتالية بالحروب والنزاعات وتعدد السلطات، وهو ما أدى إلى إرباك السياسات التعليمية وانقسام الجهة المشرفة على منظومة التعليم. كما ساهم غياب المعالجات الجذرية وضعف التخطيط في تعميق الفجوة التعليمية بين المدن والمناطق النائية، ولا تزال آثار هذه الإخفاقات قائمة حتى اليوم دون حلول مستدامة.

وخلال العام الدراسي 2024–2025، برزت أزمات واضحة تمثلت في التأخر الكبير في طباعة وتوزيع الكتب المدرسية في عدد من المناطق، وما رافقه من اعتماد جزئي على ملخصات أو نسخ غير مكتملة، الأمر الذي أخلّ بمبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ. كما أدت مشاريع الصيانة والترميم غير المنجزة أو المتأخرة، في الشرق والغرب على حد سواء، إلى ارتباك مواعيد الدراسة، والاكتظاظ داخل الفصول، واللجوء إلى الفترات المسائية في بيئات تعليمية غير مهيأة، لا سيما في شرق البلاد.

وشهدت الساحة التعليمية أيضًا جدلًا واسعًا حول قرارات ومقررات تعليمية أُقرت خارج الأطر المؤسسية المعتمدة، بما في ذلك إدخال مواد تعليمية موازية للمناهج الرسمية، في تجاوز واضح لاختصاص وزارة التعليم، وهو ما أثار مخاوف مشروعة بشأن توحيد المناهج وضمان جودة العملية التعليمية.

وفيما يتعلق بالأطفال حاملي الرقم الإداري، تشير المعطيات الميدانية إلى أن عددًا كبيرًا من المدارس سمح فعليًا بقبولهم والتحاقهم بالتعليم الأساسي، وهو تطور إيجابي يُحسب لبعض الإدارات التعليمية. غير أن هذه الممارسة لا تزال غير مستقرة أو موحّدة، حيث تستمر بعض المدارس والمناطق في فرض عراقيل إدارية تحول دون انتظام هؤلاء الأطفال في التعليم، بما يخالف التزامات الدولة الليبية ومبدأ عدم التمييز.

ولا يزال أطفال المناطق النائية والجنوبية يدفعون الثمن الأكبر لهذا الإخفاق. ففي مناطق مثل آوال التابعة إداريًا لبلدية درج، ورغم بعض المبادرات المحدودة لترميم مبانٍ تعليمية بديلة، تضطر أسر طلاب المرحلة الثانوية إلى تحمّل أعباء مالية باهظة لتأمين تنقّل أبنائهم لمسافات طويلة تتجاوز 50 كيلومترًا، في ظل غياب مدارس ثانوية محلية، ما يهدد بارتفاع معدلات التسرّب من التعليم.

كما يمر هذا اليوم على الطلبة النازحين والمهجّرين وهم ما يزالون يعانون من عدم الاستقرار التعليمي نتيجة التنقّل القسري بين المدن والمدارس. وفي هذا السياق، سُجِّلت خلال الفترة الأخيرة تحسينات محدودة تمثّلت في السماح لعدد من الأطفال القادمين من بلدان النزاع والحروب، وعلى رأسها السودان، بالالتحاق بالمدارس، وذلك عقب قرار صادر عن رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، إلى جانب سماح بعض المؤسسات التعليمية في شرق البلاد بقبولهم وفق القدرة الاستيعابية المتاحة.

ووفق ما أعلنت السفارة السودانية لدى ليبيا ، قرّرت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس استثناء الطلبة السودانيين من شرط الإقامة للالتحاق بالمدارس الليبية، بما يتيح لهم مواصلة التعليم خلال العام الدراسي 2025–2026، استجابةً لظروف الحرب والنزوح القسري في السودان. ومع ذلك، لا يزال هذا الانفتاح جزئيًا وغير مُعمّم، إذ يواجه أطفال مهاجرون وطالبو لجوء من جنسيات أخرى عراقيل إدارية وأمنية متكررة، وصلت في بعض الحالات إلى المنع الصريح من التسجيل أو الاستمرار في التعليم، ما يُبقي عددًا كبيرًا منهم خارج المنظومة التعليمية، في انتهاك لمبدأ المساواة وحق الطفل في التعليم دون أي تمييز.

وعليه، تدعو المنظمات الحقوقية الموقّعة على هذا البيان وزارة التعليم والجهات ذات العلاقة إلى ما يلي:
  1. الإسراع في استكمال أعمال صيانة وتأهيل المدارس في جميع المدن والمناطق، وضمان جاهزية المرافق التعليمية قبل انطلاق العام الدراسي، وإنهاء العمل بنظام الفترات الاستثنائية والفصول المكتظّة، بما يوفّر بيئة تعليمية آمنة وصحية وكثافة صفية تراعي المعايير التربوية.
  2. اعتماد سياسات تعليمية واضحة وعادلة وشاملة تعالج أوضاع الطلبة في الضواحي والمناطق البعيدة والنائية، مع وضع خطط عملية تضمن وصول جميع الأطفال إلى المدارس دون عناء أو أعباء مالية إضافية على الأسر. واعتبار انتظام التحاق الأطفال بالتعليم في مختلف ربوع ليبيا معيارًا أساسيًا لقياس نجاح أداء الوزارة، بدل الاكتفاء بالأنشطة المركزية داخل المدن الكبيرة.
  3. تكييف البرامج والمناهج الدراسية بما يتناسب مع أوضاع المناطق المتضررة من النزاعات أو الهشاشة الخدمية، ومع الفروق في المستوى الدراسي واحتياجات الطلبة النفسية والتعليمية، وضمان توفير دعم تعليمي حقيقي ومستدام (تعويض فاقد تعليمي، دعم نفسي تربوي، مواد تعليمية كافية)، بدل اللجوء إلى حلول مؤقتة أو شكلية لا تُحدث أثرًا فعليًا.
  4. التأكيد الصريح والعملي على أن التعليم حق مكفول لكل طفل مقيم على الأراضي الليبية، دون ربطه بالوضع القانوني أو الإداري أو الجنسي، وضمان عدم حرمان أي طفل من الالتحاق أو الاستمرار في التعليم تحت أي ذريعة، واتخاذ إجراءات واضحة لتعميم هذا المبدأ على جميع المؤسسات التعليمية.
  5. إصدار تعميمات رسمية ومُلزِمة ومتابعة تنفيذها ميدانيًا تضمن التزام جميع المدارس والإدارات التعليمية بهذه السياسات، مع إنشاء آلية رقابة وتلقّي شكاوى فعّالة تمكّن الأسر ومنظمات المجتمع المدني من الإبلاغ عن أي حالات منع أو تمييز في الحق في التعليم، ومساءلة الجهات المتسببة فيها.

إن الاستثمار في التعليم ليس مجرد التزام قانوني، بل هو شرط أساسي لتحقيق السلام الدائم، وبناء دولة تحترم كرامة الإنسان وحقوق الأجيال القادمة.

  • 1. منظمة إحقاق للتنمية المستدامة لحقوق المرأة والطفل، طرابلس.
  • 2. منظمة 17 فبراير للبيئة وحقوق الإنسان، طرابلس.
  • 3. منظمة رواد الفكر ماترس.
  • 4. منظمة التضامن لحقوق الإنسان، طرابلس.
  • 5. منظمة شباب ماترس.
  • 6. المنظمة العربية الدولية لحقوق المرأة، طرابلس.
  • 7. جمعية تبينوا لحقوق الإنسان، طرابلس.
  • 8. مرصد بلادي لحقوق الإنسان، مصراتة.
  • 9. منظمة أطوار للأبحاث والتنمية المجتمعية، طرابلس.
  • 10. منظمة النصير لحقوق الإنسان، طرابلس.
  • 11. الجمعية المستقلة لحقوق الإنسان،
  • 12. مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، بنغازي.
  • 13. منظمة البريق لحقوق الطفل، طرابلس.

طرابلس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *