الاتجار بالبشر في ليبيا – رسم رمزي يعكس المعاناة الإنسانية للمهاجرين والضحايا

ليبيا بين لأزمة السياسية والاتجار بالبشر: قراءة في تقرير FPRI

تعليق: مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء

هذا التعليق يستند إلى دراسة نشرها معهد أبحاث السياسة الخارجية (FPRIفي خريف 2024 بعنوان: “الأزمة السياسية الليبية : آثارها على الاتجار بالبشر”، ويقدم قراءة تحليلية وتعليقًا حقوقيًا أعده مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء لمقارنة أوضاع 2018–2024 بما هو قائم حتى عام 2025.م

من هو معهد السياسة الخارجية:  هو مركز أبحاث مستقل وغير ربحي مقره في فيلادلفيا، الولايات المتحدة الأمريكية. تأسس سنة 1955 على يد المؤرخ روبرت ستراوس-هوبي بهدف تعزيز فهم أعمق للسياسة الخارجية الأمريكية والقضايا العالمية المرتبطة بها.)

منذ عام 2011، لم تعرف ليبيا الاستقرار السياسي. فبعد سقوط نظام القذافي، دخلت البلاد في دوامة من الصراع والانقسام بين الشرق والغرب، وانزلقت إلى حرب أهلية مفتوحة منذ 2014. وعلى الرغم من محاولات متكررة لرعاية تسويات سياسية بوساطة الأمم المتحدة، ظلّ الجمود مسيطرًا، إذ تأجلت الانتخابات المقررة مرارًا منذ 2021، وبقيت البلاد غارقة في الانقسامات المؤسسية. هذا الانهيار السياسي لم يكن مجرد أزمة حكم، بل فتح الباب واسعًا أمام أشكال متعددة من الجريمة المنظمة، وفي مقدمتها الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين.

وفقًا لمقال نشره معهد أبحاث السياسة الخارجية (FPRI) في خريف 2024، أصبحت ليبيا للسنة الثامنة على التوالي في خانة “الحالة الخاصة” في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر، وهي خانة تعكس عجز الدولة عن الوفاء بالحد الأدنى من المعايير.

الأسباب متعددة: غياب السيطرة الحكومية على كامل الأراضي، ضعف النظام القضائي، وانعدام الإحصاءات الرسمية. المؤشرات الدولية تعزز هذه الصورة، إذ حصلت ليبيا على 8.5 من 10 في سوق الاتجار بالبشر حسب مؤشر الجريمة المنظمة العالمي، فيما لم تتجاوز درجة المرونة المؤسسية لديها 1.54 من 10، لتكون في المرتبة 192 من أصل 193 دولة. هذه الأرقام تكشف هشاشة بنيوية تجعل البلاد عاجزة عن مواجهة الشبكات الإجرامية.

الوضع الإنساني لا يقل قتامة. ففي أغسطس 2023، كان في ليبيا أكثر من 700 ألف مهاجر، معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء. كما بلغ عدد النازحين داخليًا 134,787 شخصًا، وهم الفئة الأكثر عرضة للاستغلال الجنسي والعمل القسري. بعثة تقصّي الحقائق التابعة للأمم المتحدة وثقت عام 2023 ارتكاب قوات أمن وجماعات مسلحة جرائم حرب وانتهاكات جسيمة، شملت التجنيد القسري والعمل الجبري والعنف الجنسي. كما وثقت منظمات غير حكومية حالات تعذيب وابتزاز واعتداءات جنسية في مراكز احتجاز تابعة لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، إضافةً إلى قبول رشاوى مقابل الإفراج عن محتجزين. وقد برزت منطقة تازربو في جنوب شرق ليبيا كبؤرة ساخنة للاتجار، حيث يُحتجز المهاجرون وتُرسل لأسرهم مقاطع فيديو تعذيب لابتزاز الأموال.

أما الإطار القانوني الليبي فيبقى قاصرًا، إذ يجرّم بعض أشكال الاسترقاق والاتجار بالجنس، لكنه لا يغطي الاتجار بالعمالة أو استغلال الذكور البالغين، ولا يتضمن إجراءات لتحديد هوية الضحايا. ونتيجة لذلك، غالبًا ما يُعامل الضحايا كمجرمين، فيُحتجزون أو يُرحّلون بدل حمايتهم. وعلى الرغم من بعض الجهود الحكومية الجزئية، مثل إصدار أوامر اعتقال أو محاكمات محدودة، إلا أن ضعف القدرات الأمنية والمؤسسية جعل هذه المحاولات محدودة الأثر.

المجتمع الدولي بدوره لم يغِب، فقد ظلت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) مكلفة بمتابعة حقوق الإنسان منذ 2011، وجدد مجلس الأمن في سبتمبر 2023 قراره 2240 الذي يتيح تفتيش السفن المشتبه باستخدامها في التهريب أو الاتجار. كما أطلق الاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة (UNODC) عام 2019 برنامجًا مشتركًا بقيمة 15.8 مليون دولار لمكافحة التهريب والاتجار في شمال أفريقيا، بينها ليبيا. الولايات المتحدة من جانبها خصصت أكثر من 61 مليون دولار لمشاريع مكافحة الاتجار في القارة الأفريقية، منها مشاريع في ليبيا. ورغم كل هذه التدخلات، ظل التقرير يخلص إلى أن الوضع على الأرض لم يشهد تحسنًا ملموسًا أو مستدامًا.

تعليق مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء

بعد مرور عام تقريبًا على صدور مقال FPRI، لا تزال ليبيا في 2025 تواجه نفس التحديات بل بصورة أشد قسوة. فما زال المهاجرون محتجزين في ظروف غير إنسانية، وما زالت مراكز الاحتجاز مرتعًا للابتزاز والعنف. موجات النزوح الناتجة عن حرب السودان منذ 2023 زادت الأوضاع سوءًا، فيما تواصل شبكات التهريب نشاطها على طول الحدود الجنوبية والساحل الغربي. رغم العقوبات الدولية المتفرقة والبرامج الممولة، فإن غياب إصلاح سياسي وتشريعي حقيقي جعل البلاد تدور في حلقة مفرغة.

يرى المركز أن معالجة هذه الأزمة تتطلب أولًا إصلاحًا تشريعيًا وطنيًا يُجرّم جميع أشكال الاتجار ويحمي الضحايا بدل تجريمهم، ثم وضع آليات مساءلة للجهات الرسمية والميليشيات المتورطة. كما يجب ربط أي دعم دولي لليبيا بشروط حقوقية واضحة، مع تعزيز الإشراف الأممي المستقل على مراكز الاحتجاز. فبدون بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها والمهاجرين على أراضيها، ستظل ليبيا ساحة مفتوحة لاقتصاد حرب يقوم على استغلال البشر.

رابط التقرير

https://www.fpri.org/…/the-libyan-political-crisis…/…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *