إيطاليا خلف الكواليس: كيف ساهم النفوذ الأوروبي في محاولة إقصاء “أطباء بلا حدود” من ليبيا
تحليل صادر عن: مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء
الباحث: طارق لملوم
السياق الليبي وحضور أطباء بلا حدود
تُعدّ منظمة أطباء بلا حدود (MSF) من أوائل المنظمات الطبية الدولية التي استجابت للأزمة الليبية منذ اندلاع النزاع المسلح عام 2011، حيث باشرت تدخلاتها الميدانية في مصراتة والبريقة وبنغازي لتقديم الرعاية الجراحية والإسعافات الطارئة للمدنيين والمصابين في مناطق القتال , ومع تصاعد الأزمات الإنسانية، وسّعت المنظمة نطاق عملها ليشمل طرابلس، الزنتان، سبها، ومصراتة، إضافة إلى عملها المنتظم داخل مراكز احتجاز المهاجرين التابعة لجهاز الهجرة ، حيث كانت من بين الجهات القليلة المستقلة التي تقدم رعاية طبية مباشرة للمهاجرين وطالبي اللجوء.
طوال أكثر من عقد، ساهمت المنظمة في الاستجابة لأبرز الأزمات الليبية، من بينها حرب طرابلس (2019–2020) وفيضان درنة (2023)، إضافة إلى برامج علاج ومكافحة السل ومتابعة المرضى الليبيين والمهاجرين في المرافق الصحية العامة , لقد جعل هذا الدور المستمر من أطباء بلا حدود أحد أهم الفاعلين الإنسانيين المستقلين في ليبيا، ما يجعل قرار مغادرتها البلاد تحولًا مقلقًا في بنية الاستجابة الإنسانية، خصوصًا داخل مراكز الاحتجاز والمناطق النائية.
السياسة الأوروبية: ضبط الهجرة عبر الوكلاء
1. تعود جذور التعاون الليبي–الإيطالي في ملف الهجرة إلى معاهدة الصداقة والشراكة (2008)، ثم إلى مذكرة التفاهم (2017) التي أرست الإطار السياسي والأمني لتعاون مباشر في مراقبة الحدود ومكافحة ما يسمى “الهجرة غير النظامية” أرست هذه المذكرة أسس سياسة “خارجنة الحدود”، أي نقل عبء ضبط الهجرة من السواحل الأوروبية إلى الأراضي الليبية وبموجبها أصبحت السلطات الليبية تؤدي دور “الوكيل الأمني لأوروبا”، من خلال اعتراض القوارب في البحر وإعادة المهاجرين قسرًا إلى ليبيا، مقابل دعم مالي وتقني متزايد لخفر السواحل ومراكز الاحتجاز.
لكن هذه السياسة، التي وُصفت في البداية بأنها “تعاونية”، أدت عمليًا إلى تدويل الانتهاكات داخل ليبيا، إذ وثّقت تقارير أممية ومنظمات دولية انتشار التعذيب والاحتجاز التعسفي والابتزاز في المراكز الخاضعة للسلطات الليبية.
في هذا السياق، كانت أطباء بلا حدود من أبرز الأصوات المنتقدة لهذه المقاربة، إذ أكدت في بيانات وتقارير متتالية منذ 2017 أن عمليات الإرجاع إلى ليبيا تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، وأن ليبيا لا يمكن اعتبارها بلدًا آمنًا للعودة , كما وثقت المنظمة أن سياسات الردع والاحتجاز الأوروبية حوّلت ليبيا إلى نقطة احتجاز جماعي للمهاجرين بتمويل أوروبي مباشر.
وجود مكتب نشط للمنظمة داخل ليبيا شكّل إحراجًا للحكومة الإيطالية وبعض الدوائر الأوروبية، إذ كانت تقاريرها الميدانية تفنّد الرواية الرسمية التي تصف التعاون مع ليبيا بأنه “إنساني وإنقاذي”.
وبذلك، أصبح وجودها عنصرًا غير مرغوب فيه سياسيًا لأنه يُظهر بوضوح الكلفة الإنسانية للتنسيق الأوروبي–الليبي في ملف الهجرة.
2. النفوذ الإيطالي في إدارة ملف الهجرة داخل ليبيا: المحرّك غير المعلن وراء إقصاء أطباء بلا حدود
يتجاوز الدور الإيطالي في ليبيا حدود التعاون الفني أو اللوجستي، ليشكّل نظام نفوذ مترابط يتغلغل في هياكل القرار والمؤسسات الأمنية والإدارية المعنية بملف الهجرة.
منذ معاهدة الصداقة (2008) ومذكرة التفاهم (2017)، رسّخت إيطاليا حضورها داخل البنية المؤسسية الليبية من خلال التمويل، والتدريب، والدعم التقني، والإشراف الميداني المباشر.
هذا النفوذ تجسّد في ثلاثة مستويات رئيسية:
– خفر السواحل الليبي: تمويل وتسليح وصيانة بإشراف وزارة الدفاع الإيطالية وبعثات أوروبية.
– جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية: تدريب مستمر بإشراف خبراء أمنيين إيطاليين، مع دعم لوجستي وتقني مباشر.
– مراكز الاحتجاز ومشاريع الاستقرار: تمويل من الصندوق الائتماني الأوروبي من أجل إفريقيا، الذي تُعد إيطاليا من أبرز المساهمين والموجّهين لسياساته داخل ليبيا.
نتيجة لذلك، تحوّل ملف الهجرة إلى منطقة نفوذ شبه إيطالية داخل الدولة الليبية، تُمارس فيها قرارات تبدو وطنية في ظاهرها، لكنها تخضع في عمقها لضغوط سياسية خارجية , وفي هذا السياق، يمكن قراءة قرار مطالبة منظمة أطباء بلا حدود بمغادرة ليبيا باعتباره انعكاسًا لهذا النفوذ أكثر مما هو قرار إداري مستقل.
فالمنظمة كانت من أبرز الجهات التي وثّقت الانتهاكات المرتبطة بعمليات الاعتراض والإرجاع البحري، وهي عمليات تموّلها وتشرف عليها روما , وبما أن تقاريرها الميدانية قوّضت الخطاب الإيطالي الرسمي الذي يقدّم التعاون مع ليبيا بوصفه “جهدًا إنسانيًا”، فقد أصبحت المنظمة مصدر إزعاج سياسي ودبلوماسي حقيقي للحكومة الإيطالية وشركائها الأوروبيين.
وجودها داخل ليبيا كان يعني وجود شاهد مستقل وميداني على فشل السياسة الأوروبية في إدارة الهجرة، وشاهد على أن المهاجرين الذين يُعادون من البحر إلى ليبيا يُحتجزون ويتعرضون للتعذيب والابتزاز.
لذلك، فإن التضييق على المنظمة لا يمكن فصله عن تفاهم غير معلن بين أطراف محلية ومؤسسات أوروبية، يرمي إلى تقليص المساحة المتبقية للعمل الإنساني المستقل الذي يحرج الشركاء الغربيين.
إن استبعاد أطباء بلا حدود لا يعكس فقط تضييقًا على منظمة دولية، بل يعكس حدود السيادة الليبية نفسها في هذا الملف فطالما ظلت إدارة الهجرة مرتهنة للتمويل الأوروبي، ستبقى القرارات الكبرى — بما في ذلك من يُسمح له بالعمل أو يُمنع — محكومة بتوازنات سياسية تتجاوز الإرادة الوطنية.
3. الحرج الدبلوماسي وغياب الشفافية الرسمية
لم تُصدر السلطات الليبية أي توضيح رسمي عقب إعلان المنظمة مغادرتها، في مؤشر على حالة الحرج الدبلوماسي والضغوط السياسية التي أحاطت بالقرار.
ويُرجح أن الإجراء جاء في إطار تفاهمات غير معلنة بين طرابلس وروما، لتجنّب أي صدام قد يؤثر في التعاون البحري والدعم الأوروبي لخفر السواحل , في المقابل، واصلت منظمات أخرى عملها داخل ليبيا رغم قرارات “تجميد” مماثلة، مما يؤكد أن استبعاد أطباء بلا حدود كان استهدافًا انتقائيًا ذا خلفية سياسية واضحة.
4. أثر القرار على الفضاء الإنساني والفراغ الطبي
يمثل خروج منظمة بحجم أطباء بلا حدود انتكاسة إنسانية وطبية، نظرًا لدورها الحيوي في تغطية الفراغ داخل مراكز الاحتجاز والمناطق النائية , كانت المنظمة تُقدّم خدمات حيوية تشمل علاج الأمراض المزمنة والمعدية، وعلى رأسها السل، إضافة إلى زيارات ميدانية لمراكز يصعب الوصول إليها مثل بئر الغنم.
مغادرتها ستترك فراغًا طبيًا خطيرًا لا يُتوقع أن يُملأ بسهولة، خاصة مع عزوف العديد من الوكالات الممولة أوروبيًا عن العمل في المواقع غير المستقرة أمنيًا , كما أن استقلالية أطباء بلا حدود — كونها لا تقدم دعمًا ماليًا للجهات الحكومية أو المسلحة — جعلت منها منظمة غير مرضيّ عنها محليًا لأنها لا تدرّ مكاسب سياسية أو مادية.
5. ليبيا كحدود جنوبية غير معلنة للاتحاد الأوروبي
تُظهر هذه الواقعة أن ليبيا أصبحت فعليًا الحدود الجنوبية غير الرسمية للاتحاد الأوروبي، حيث تُدار سياسات الهجرة والاحتجاز بما يخدم أهداف الردع أكثر من الالتزامات الحقوقية.
أي تضييق على المنظمات المستقلة لا يمكن فصله عن هذه المنظومة التي تسعى إلى إبقاء المهاجرين بعيدًا عن أوروبا — ولو على حساب كرامتهم وسلامتهم.
الخلاصة والتوصيات
يشير هذا التطور إلى ضرورة أن تتبنى السلطات الليبية سياسة واضحة وشفافة تجاه المنظمات الدولية، قائمة على الشراكة القانونية لا على التفاهمات السياسية , كما ينبغي للاتحاد الأوروبي، وعلى رأسه إيطاليا، إعادة تقييم سياساته في ليبيا لضمان أن دعمه لخفر السواحل وبرامج “الاستقرار” لا يتحول إلى تواطؤ في الانتهاكات.
إن استقلالية العمل الإنساني ليست تهديدًا للسيادة، بل ضمانة لحماية الأرواح , وأي مساس بها — تحت أي ذريعة — يمثل انحدارًا خطيرًا في منظومة القيم التي يفترض أن تحكم الشراكات الدولية.
قائمة المراجع والبيانات الصادرة عن منظمة طباء بلا حدود (MSF) – 2018 إلى 2025
1. اتفاق إيطاليا – ليبيا: خمس سنوات من العنف والانتهاكات برعاية الاتحاد الأوروبي – 2 فبراير 2022
2. الحكومات الأوروبية تعرقل عمليات الإنقاذ وتعيد الناس إلى ليبيا غير الآمنة – 21 مارس 2018
3. إنهاء عمليات سفينة “أكواريوس” بعد أن حكمت أوروبا على الناس بالغرق – 6 ديسمبر 2018
4. رسالة مفتوحة إلى الأمم المتحدة بشأن مصير اللاجئين العالقين في ليبيا – 10 ديسمبر 2018
5. إعادة اللاجئين إلى مراكز احتجاز مكتظة في ليبيا – 23 يناير 2019
6. خارج الأنظار، خارج الوعي: اللاجئون في مراكز الاحتجاز الليبية – 12 يوليو 2019
7. استئناف أطباء بلا حدود لعمليات البحث والإنقاذ وسط تدهور الوضع في البحر المتوسط الأوسط – 21 يوليو 2019
8. الإنقاذ في زمن جائحة كوفيد-19 – 2020
9. يجب إنهاء الانتهاكات المخزية في البحر المتوسط برعاية الاتحاد الأوروبي – 19 مارس 2024
10. احتجاز سفينة أطباء بلا حدود في إيطاليا بعد تهديدات من خفر السواحل الليبي – 22 مارس 2024
11. إسقاط التهم ضد فرق الإنقاذ التابعة لأطباء بلا حدود في إيطاليا – 19 أبريل 2024
12. السلطات الإيطالية تعاقب سفينة “جيو بارنتس” التابعة لأطباء بلا حدود بأمرَي احتجاز متتاليين – 25 سبتمبر 2024
13. المهاجرون في ليبيا يواجهون عنفًا مفرطًا وحرمانًا من الرعاية الصحية – 12 فبراير 2025
14. طلب مغادرة أطباء بلا حدود ليبيا خلال شهر واحد – 29 أكتوبر إلى 4 نوفمبر 2025
15. أكثر من 600 شخص تم إنقاذهم عالقون في حالة من الشلل السياسي الأوروبي – 17 يونيو 2018
16. على الحكومات الأوروبية أن تضع حياة الناس قبل السياسة – 17 يونيو 2018
17. الحكومة الإيطالية تضغط على بنما لوقف عمليات سفينة أكواريوس للإنقاذ – 23 سبتمبر 2018
18. تقرير النشاط الدولي لأطباء بلا حدود – ليبيا – 2019
19. فتح مسارات آمنة للمهاجرين الضعفاء العالقين في ليبيا أو الفارين منها – يونيو 2022
20. وقف الاحتجاز التعسفي للاجئين والمهاجرين الذين أُنزلوا في ليبيا بعد اعتراضهم في البحر – 25 يوليو 2018







