تقييم الهشاشة الاجتماعية للأسر السودانية النازحة في ليبيا

دراسة اجتماعية في أوضاع الأسر والنساء والأطفال واحتياجات الحماية

إعداد: القسم الاجتماعي – مرصد بلادي لحقوق الإنسان

بالتعاون مع: مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء

تاريخ الإصدار: أغسطس 2026

طرابلس، الزاوية، صرمان، صبراتة، ورشفانة، مصراتة، سرت، بنغازي، الكفرةنطاق الرصد
94 ملفا عدد ملفات التوثيق التي تمت مراجعتها
نحو 64 حالة أسرية سودانية مستقلة بعد المراجعة والتنقيح والتحديثات عدد الحالات المستقلة

الجزء الأول النزوح السوداني وتحول بنية الأسرة: النساء والأطفال في قلب الأزمة

أولا: مقدمة

يشكل النزوح القسري أحد أكثر العوامل تأثيرا في استقرار الأسرة وبنيتها الاجتماعية، إذ لا تقتصر آثاره على فقدان المسكن أو مصدر الدخل، بل تمتد إلى العلاقات الأسرية والاستقرار النفسي والحماية الاجتماعية والقدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية. وتزداد هذه الآثار تعقيدا عندما يستمر النزوح لفترات طويلة داخل بيئات تعاني أصلا من أزمات أمنية واقتصادية ومحدودية في الخدمات العامة، كما هو الحال في ليبيا.

ومنذ اندلاع النزاع المسلح في السودان، أصبحت ليبيا إحدى الدول التي استقبلت أعدادا متزايدة من الأسر السودانية الفارة من الحرب، ووصلت هذه الأسر في أوضاع إنسانية واجتماعية متباينة، إلا أن القاسم المشترك بين نسبة كبيرة منها كان فقدان الاستقرار، وضعف أو انعدام مصادر الدخل، وتشتت الأسرة، وغياب شبكات الدعم الاجتماعي التي كانت تعتمد عليها في السودان.

ولا تكشف حركة النزوح السوداني إلى ليبيا عن انتقال جغرافي للسكان فقط، بل عن تغير واضح في التركيبة الاجتماعية والديموغرافية للنازحين، إذ أصبحت النساء والأطفال يمثلون جزءا أساسيا من هذا النزوح. وبحسب تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا الصادر في 10 أغسطس 2026، يقدر عدد اللاجئين السودانيين الموجودين في ليبيا بنحو 566,043 شخصا، ويشير التقرير إلى أن النساء والأطفال يشكلون معا 62% من إجمالي اللاجئين السودانيين في ليبيا، بينما يمثل الأطفال وحدهم 24%.

وتحمل هذه الأرقام دلالة اجتماعية مهمة؛ فالنزوح السوداني إلى ليبيا لم يعد حركة يغلب عليها الرجال أو الأشخاص الباحثون عن العمل والعبور، وإنما أصبح في جانب كبير منه نزوح أسر ونساء وأطفال يحتاجون إلى الحماية والسكن والرعاية الصحية والتعليم والدعم الاجتماعي.

ويتقاطع هذا المعطى الأممي بصورة واضحة مع نتائج الحالات التي تابعها القسم الاجتماعي في مرصد بلادي لحقوق الإنسان، إذ أظهرت العينة أن المرأة أصبحت في غالبية الملفات نقطة الارتكاز الأساسية للأسرة، والمسؤولة عن التواصل مع الجهات الإنسانية، والبحث عن السكن والغذاء والعلاج، ورعاية الأطفال، وفي حالات أخرى رعاية الزوج المريض أو الشخص ذي الإعاقة، إلى جانب محاولة إيجاد مصدر للدخل.

وتظهر الحالات كذلك أن رحلة النزوح لم تنته بمجرد الوصول إلى ليبيا، فالعديد من النساء انتقلن من بيئة حرب وفقدان واضطراب في السودان إلى بيئة جديدة يواجهن فيها تحديات تتعلق بالسكن والعمل والدخل والحماية والوضع القانوني والوصول إلى الخدمات. كما كشفت المتابعة عن حضور متكرر لمخاطر مرتبطة بالعنف والاستغلال والإخلاء والتشرد وفقدان الحماية الاجتماعية، وهي مخاطر تصبح أكثر حدة عندما تكون المرأة بمفردها مع الأطفال أو دون معيل أو شبكة أسرية قادرة على تقديم الدعم.

ومن ثم، فإن وضع النساء السودانيات في ليبيا لا يمكن قراءته فقط من زاوية كونهن لاجئات أو نازحات، بل يجب فهمه بوصفه تحولا اجتماعيا واسعا نقل إلى المرأة مسؤوليات كانت موزعة سابقا داخل الأسرة وبين الزوج والأسرة الممتدة والمجتمع المحلي.

وتقدم هذه الدراسة قراءة اجتماعية لواقع عينة من الأسر السودانية التي تابعها ووثقها القسم الاجتماعي في مرصد بلادي لحقوق الإنسان، مع التركيز على العوامل التي تزيد من هشاشتها، والفئات الأكثر تعرضا للمخاطر، ومدى قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية. وتأتي مساهمة مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء في تقديم قراءة مكملة للنتائج من منظور النزوح والهجرة والحماية، والمساهمة في تطوير التوصيات المتعلقة بالاستجابة الإنسانية وسياسات حماية النازحين والمهاجرين واللاجئين.

وبذلك تحافظ الدراسة على طابعها الاجتماعي الأساسي؛ فهي لا تنطلق من تصنيف الأشخاص وفق وضعهم القانوني، وإنما من احتياجات الأسرة والفرد، باعتبار الاحتياج والهشاشة الاجتماعية المعيار الأساسي في التقييم والعمل الاجتماعي.

ومع ذلك، لا يمكن فصل الأوضاع الاجتماعية للأسر عن البيئة القانونية والإدارية التي تعيش فيها، فوجود الأجانب في ليبيا يخضع لأحكام القانون رقم (6) لسنة 1987 بشأن تنظيم دخول وإقامة الأجانب وخروجهم من ليبيا وتعديلاته اللاحقة، كما أن عدم امتلاك الوثائق أو عدم استقرار الوضع القانوني يؤثر بصورة مباشرة في قدرة عدد من الأسر على الوصول إلى الخدمات والعمل والسكن والاستقرار.

وقد أظهرت الحالات التي راجعها القسم الاجتماعي أن أوضاع عدد كبير من الأسر لا تتأثر بنتائج الحرب والنزوح فقط، وإنما أيضا بالصعوبات المرتبطة بالحصول على الخدمات الأساسية، خصوصا في الحالات التي تعاني من غياب الوثائق أو عدم استقرار الوضع القانوني. وتضمنت الملفات احتياجات صحية عاجلة، وأطفالا فاقدي الرعاية الأسرية، ونساء معيلات، وأشخاصا يعانون أمراضا مزمنة أو إعاقات، وأسرا لا تمتلك مصادر دخل أو شبكات حماية اجتماعية كافية.

كما رصد القسم الاجتماعي صعوبات متكررة تواجه بعض الأسر في الوصول إلى الرعاية الصحية أو الاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية، إلى جانب حالات لأطفال حديثي الولادة أو أطفال فاقدي الرعاية الأسرية لم يتمكنوا من الحصول على الرعاية المؤسسية المناسبة.

ومن منظور العمل الاجتماعي، يمثل الأطفال الفئة الأكثر هشاشة في الأزمات الإنسانية، إذ يمتد تأثير النزوح عليهم إلى الصحة والنمو الجسدي والنفسي والاستقرار الأسري والتعليم والحماية، ولذلك فإن أي تراجع في قدرة الأسرة على الحصول على الغذاء أو السكن أو العلاج أو الدخل ينعكس عليهم بصورة مباشرة. وتتوافق هذه المقاربة مع المبادئ التي أقرتها اتفاقية حقوق الطفل، وفي مقدمتها اعتبار المصلحة الفضلى للطفل أولوية في الإجراءات المتعلقة به، وضمان الحماية والرعاية دون تمييز.

ولا تهدف هذه الدراسة إلى إجراء تقييم شامل لأداء المؤسسات العامة أو تقديم تحليل قانوني لملف الهجرة، وإنما إلى إبراز الآثار الاجتماعية والإنسانية للنزوح على الأسر السودانية، انطلاقا من أن فهم واقع الأسرة هو الخطوة الأولى نحو بناء استجابة أكثر فاعلية واستدامة تضع النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأشد هشاشة في مقدمة الأولويات.

ثانيا: أهداف الدراسة

تسعى الدراسة إلى:

•  تقديم قراءة اجتماعية للهشاشة التي تعيشها الأسر السودانية النازحة في ليبيا.

•  تحديد الخصائص الاجتماعية والديموغرافية للعينة التي وثقها القسم الاجتماعي في مرصد بلادي.

•  تحليل أبرز عوامل الهشاشة التي تواجه النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.

•  إبراز العلاقة بين النزوح وفقدان مصادر الدخل وتراجع القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

•  تحديد أبرز الاحتياجات المتعلقة بالغذاء والسكن والصحة والتعليم والدعم النفسي والاجتماعي.

•  تقييم أثر فقدان المعيل أو انفصال الأسرة على النساء والأطفال.

•  إبراز الأعباء الجديدة التي أصبحت تتحملها النساء نتيجة فقدان الزوج أو غيابه أو مرضه أو انفصال الأسرة.

•  رصد مخاطر الحماية والانتهاكات والاستغلال التي قد تتعرض لها النساء والأطفال في ظل الفقر وعدم استقرار السكن وغياب شبكات الدعم.

•  المساهمة في توجيه التدخلات الإنسانية نحو الأسر والفئات الأكثر احتياجا.

•  توفير قاعدة معلومات أولية يمكن الاستناد إليها في تصميم برامج الحماية الاجتماعية والدعم الإنساني.

•  تقديم توصيات للسلطات والمنظمات الإنسانية والجهات المانحة بشأن الاستجابة الاجتماعية.

•  إضافة قراءة من منظور الهجرة والنزوح والحماية، بالتعاون مع مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، بما يساعد على الربط بين الهشاشة الاجتماعية والبيئة الأوسع التي يعيش فيها النازحون السودانيون في ليبيا.

وتحافظ هذه الأهداف على جوهر الدراسة الذي يركز على الهشاشة الاجتماعية وتوجيه الاستجابة الإنسانية نحو الفئات الأكثر احتياجا، مع إعطاء مساحة أكبر لفهم التحول في أدوار النساء داخل الأسرة وآثار هذا التحول على الحماية والاستقرار الاجتماعي.

ثالثا: منهجية الدراسة

اعتمدت الدراسة على منهج دراسة الحالة الاجتماعية (Case Management) من خلال مراجعة وتحليل ملفات الأسر السودانية التي قام القسم الاجتماعي في مرصد بلادي لحقوق الإنسان بتوثيقها ومتابعتها أثناء عمله على الحالات الإنسانية في ليبيا. ويمثل هذا الجانب عنصرا أساسيا في منهجية الدراسة؛ فالنتائج لم تُبنَ على تقديرات عامة عن أوضاع السودانيين في ليبيا، وإنما على ملفات حالات فعلية جرى توثيق احتياجاتها ومتابعتها اجتماعيا وإنسانيا.

حجم المادة التي تمت مراجعتها

بلغ إجمالي ملفات التوثيق التي تمت مراجعتها 94 ملفا، شكّلت تفاصيل مقابلات كاملة مع العائلات وتفاصيل عن الوضع الاجتماعي والصحي والحقوقي، وقد جرت المقابلات في مدة تجاوزت أربعة أشهر. وبعد مراجعة التكرار والتحديثات وربط الملفات المتعلقة بالأسرة نفسها، تم تحديد نحو 64 حالة أسرية سودانية مستقلة. وبالتالي فإن الرقم 94 يشير إلى ملفات التوثيق والمراجعة، بينما يمثل الرقم 64 تقريبا عدد الحالات الأسرية المستقلة التي بُني عليها التحليل النهائي.

64 حالة أسرية سودانية مستقلة بعد التنقيح94 ملف توثيق تمت مراجعته

المعلومات التي شملتها المراجعة

استند التحليل الاجتماعي إلى المعلومات الواردة في ملفات الحالات، وشملت:

•  البيانات الشخصية والأسرية.

•  التركيبة الأسرية.

•  عدد الأطفال.

•  الحالة الصحية.

•  مصادر الدخل.

•  وضع السكن.

•  الاحتياجات الإنسانية.

•  الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

•  الملاحظات الميدانية لفريق المرصد.

كما جرى النظر إلى الأسرة باعتبارها وحدة اجتماعية متكاملة، بحيث لا يتم تقييم المرض أو الفقر أو فقدان السكن بمعزل عن تأثيره على بقية أفراد الأسرة.

حدود الدراسة

هذه الدراسة تقييم اجتماعي أولي وليست مسحا إحصائيا شاملا للسودانيين في ليبيا. وعليه فإن الأرقام والنسب الواردة فيها تعكس العينة التي تمكن مرصد بلادي من الوصول إليها وتوثيقها، ولا يجوز تعميمها إحصائيا على جميع الأسر السودانية الموجودة في ليبيا. لكن تكرار المؤشرات نفسها في عدد كبير من الملفات يوفر أساسا مهما لفهم أنماط الهشاشة الاجتماعية والاحتياجات الأكثر تكرارا داخل العينة.

كما يجب التمييز بين النسب المستخرجة من عينة الدراسة وبين الأرقام العامة التي وردت في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة؛ فالأرقام الأممية المتعلقة بنحو 566 ألف لاجئ سوداني، ونسبة النساء والأطفال البالغة 62%، تقدم الإطار الديموغرافي الأوسع، بينما تقدم ملفات مرصد بلادي قراءة اجتماعية معمقة في واقع مجموعة من الأسر التي تمت متابعتها بصورة مباشرة.

توزيع الأدوار بين المؤسستين

القسم الاجتماعي – مرصد بلادي لحقوق الإنسان

قام بتوثيق الحالات ومتابعتها، ومراجعة الملفات، وتصنيف الاحتياجات، وإجراء التقييم والتحليل الاجتماعي، واستخلاص مؤشرات الهشاشة المتعلقة بالأسرة والنساء والأطفال والسكن والصحة والدخل والحماية الاجتماعية.

مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء

ساهم في مراجعة النتائج من منظور النزوح والهجرة والحماية، وربط بعض النتائج بالسياق الذي تعيش فيه الأسر السودانية النازحة في ليبيا، والمساهمة في تطوير التوصيات المتعلقة بالحماية وسياسات الاستجابة للنازحين والمهاجرين واللاجئين. ولا يغير هذا التعاون من الطبيعة الأساسية للدراسة باعتبارها دراسة اجتماعية قائمة على عمل القسم الاجتماعي في مرصد بلادي، وإنما يضيف إليها منظورا متخصصا يساعد على فهم البيئة الأوسع التي تنتج أو تضاعف بعض أشكال الهشاشة.

رابعا: الخصائص الاجتماعية والديموغرافية للعينة

اعتمد التحليل النهائي على نحو 64 حالة أسرية سودانية مستقلة، بهدف التعرف على الخصائص الاجتماعية للعينة وتحديد الفئات الأكثر هشاشة. ورغم أن العينة لا تمثل جميع السودانيين النازحين في ليبيا، فإنها تكشف أنماطا متكررة من الهشاشة تستدعي اهتمام الجهات الاجتماعية والإنسانية.

4.1 النساء في مقدمة الهشاشة الاجتماعية

من أهم النتائج الرقمية التي توصلت إليها الدراسة أن 52 حالة من أصل 64 حالة تعود إلى نساء أو أسر تمثل المرأة فيها صاحبة الملف والمسؤولة عن متابعة احتياجات الأسرة، وهو ما يعادل نحو 80% من إجمالي الحالات.

80% من الحالات، المرأة هي صاحبة الملف والمسؤولة الرئيسية عن الأسرة

ولا يعني هذا الرقم بالضرورة أن جميع هذه الأسر تقودها النساء بصورة قانونية أو دائمة، وإنما يعكس أن المرأة كانت صاحبة الحالة أو الشخص الرئيسي المسؤول عن متابعة احتياجات الأسرة في غالبية الملفات.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية أكبر عند مقارنتها بالسياق الأوسع للنزوح السوداني؛ ففي الوقت الذي يشير فيه تقرير الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن النساء والأطفال يشكلون 62% من اللاجئين السودانيين في ليبيا، تكشف عينة الدراسة أن النساء كن الطرف الرئيسي المسؤول عن التعامل مع الاحتياجات اليومية للأسرة في نحو أربعة أخماس الحالات. وهذا التقاطع بين الرقم الأممي والواقع الذي تعكسه ملفات المتابعة يظهر أن حضور النساء في النزوح السوداني ليس مجرد حضور عددي، بل يصاحبه تحول كبير في المسؤوليات الاجتماعية والأسرية.

وأظهرت الملفات أن النساء يقمن في كثير من الحالات بعدة أدوار في الوقت نفسه، منها:

•  إعالة الأطفال.

•  متابعة العلاج.

•  البحث عن السكن.

•  تأمين الغذاء.

•  التواصل مع المنظمات الإنسانية.

•  متابعة الإجراءات الطبية والإدارية.

•  رعاية كبار السن.

•  رعاية الأزواج المرضى أو غير القادرين على العمل.

•  البحث عن فرص للعمل أو المساعدة.

•  متابعة أوضاع الأطفال التعليمية والصحية.

كما كشفت الحالات أن عددا من النساء أصبحن المعيل الوحيد أو الرئيسي للأسرة بسبب وفاة الزوج أو اختفائه أثناء الحرب، أو بقائه في السودان، أو انفصال الأسرة أثناء رحلة النزوح، أو إصابة الزوج بعجز أو مرض يمنعه من العمل. وفي حالات أخرى، وصلت المرأة إلى ليبيا مع أطفالها دون وجود أفراد الأسرة الممتدة الذين كانوا يمثلون في السودان جزءا من منظومة الرعاية والحماية اليومية.

ومن منظور القسم الاجتماعي، فإن هذه النتيجة من أهم مؤشرات الدراسة؛ لأن النزوح لم يؤد فقط إلى تغيير مكان إقامة الأسرة، وإنما أدى في حالات كثيرة إلى إعادة تشكيل الأدوار داخلها، بحيث أصبحت المرأة مسؤولة في الوقت نفسه عن الرعاية والدخل والسكن والعلاج وتأمين الاحتياجات اليومية.

4.2 النساء بين مخاطر الانتهاك وعبء المسؤولية الكاملة

تكشف ملفات المتابعة أن هشاشة النساء لا ترتبط فقط بالفقر أو الحاجة إلى المساعدة، وإنما تتولد أيضا من البيئة التي تضطر المرأة إلى التعامل معها أثناء محاولتها تأمين احتياجات الأسرة. فالمرأة التي لا تمتلك دخلا ثابتا وتعيش مع أطفالها دون معيل تصبح مضطرة بصورة متكررة إلى البحث عن مسكن، والتعامل مع أصحاب العقارات، والبحث عن عمل، والتنقل بين المؤسسات الصحية والمنظمات والأفراد، وطلب المساعدة، وهي أوضاع يمكن أن تزيد من تعرضها للاستغلال أو العنف أو الابتزاز أو الإخلاء أو أشكال أخرى من سوء المعاملة.

ولا تسمح البيانات المتاحة بتقديم نسبة إحصائية دقيقة للنساء اللاتي تعرضن لكل نوع من الانتهاكات، لكن تكرار مخاطر الحماية داخل الملفات يبين أن الوضع الاجتماعي للمرأة لا يمكن فصله عن مسألة الحماية. وتصبح هذه المخاطر أكثر خطورة عندما تجتمع عدة عوامل في الحالة نفسها:

امرأة دون معيل + أطفال  +  غياب دخل ثابت  +  خطر فقدان السكن  +  مرض أو إعاقة  +  غياب شبكة دعم

في مثل هذه الحالات لا تكون المرأة مجرد مستفيدة من مساعدة إنسانية، بل تصبح الشخص الوحيد تقريبا المسؤول عن بقاء الأسرة واستمرارها. وهذا العبء المستمر يفرض ضغطا اجتماعيا ونفسيا كبيرا عليها، إذ يتعين عليها أن توفر الغذاء وتحافظ على السكن وتتابع العلاج وتحمي الأطفال وتتعامل مع المؤسسات، بينما تكون هي نفسها بحاجة إلى الحماية والدعم.

ومن هنا، ترى الدراسة أن حماية النساء السودانيات يجب ألا تُختزل في الاستجابة لحالة عنف بعد وقوعها، بل ينبغي أن تشمل معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل المرأة أكثر عرضة للعنف والاستغلال.

4.3 الأطفال… الفئة الأكثر تعرضا للخطر

تمكنت الدراسة من توثيق وجود ما لا يقل عن 140 طفلا بصورة صريحة داخل ملفات الحالات.

140+ طفلا موثقين صراحة داخل ملفات الحالات (والعدد الفعلي مرجّح أن يكون أعلى)

لكن العدد الحقيقي للأطفال داخل الأسر التي شملتها الدراسة يُرجَّح أن يكون أعلى من ذلك، لأن بعض الملفات أشارت إلى وجود أطفال دون تحديد عددهم، وبعضها ذكر أبناء دون تسجيل أعمارهم، بينما ركزت حالات أخرى على الاحتياج الطبي أو الإنساني العاجل ولم تتضمن جميع البيانات الأسرية.

كما أظهرت الدراسة وجود أسر كبيرة العدد، واشتملت بعض الحالات على أسر تضم 5 أطفال، أو 6، أو 7، أو 8، وحتى 9 أطفال داخل الأسرة الواحدة. وهذا يعني ارتفاع معدل الإعالة بصورة كبيرة في بعض الأسر، خصوصا عندما تكون الأسرة بلا دخل ثابت أو تعتمد على امرأة واحدة في توفير احتياجاتها.

ولا تقتصر احتياجات الأطفال على الغذاء، بل تشمل:

•  الرعاية الصحية.

•  التغذية المناسبة.

•  التعليم.

•  الاستقرار النفسي.

•  الحماية من العنف والاستغلال.

•  السكن الآمن.

•  وجود شخص بالغ قادر على توفير الرعاية المستمرة.

ويؤكد القسم الاجتماعي أن أي تراجع في قدرة الأسرة الاقتصادية أو الاجتماعية ينعكس أولا وبصورة مباشرة على الأطفال، وهو ما يجعلهم الفئة الأكثر عرضة لتراكم آثار النزوح على المدى الطويل.

4.4 الأسر كبيرة الحجم وارتفاع عبء الإعالة

أظهرت الدراسة أن غالبية الأسر التي شملتها المتابعة تضم أكثر من طفل، ووصل عدد الأطفال في بعض الحالات إلى تسعة أطفال داخل الأسرة الواحدة. ويشكل حجم الأسرة عاملا أساسيا في تحديد مستوى الهشاشة، لأن زيادة عدد أفراد الأسرة تعني ارتفاع الاحتياجات اليومية بصورة مستمرة، في وقت تعاني فيه نسبة من هذه الأسر من غياب المعيل أو عدم وجود دخل ثابت.

ولا تقتصر احتياجات الأسرة كبيرة الحجم على توفير الغذاء، بل تشمل بصورة يومية الإيجار، والمياه، والكهرباء، والأدوية والفحوصات الطبية، ومستلزمات الأطفال، وتكاليف النقل والتعليم. وعندما تكون المرأة هي المسؤولة الرئيسية عن الأسرة، فإن ارتفاع عدد الأطفال يضاعف عبء الإعالة والرعاية عليها، خصوصا في الحالات التي لا يوجد فيها زوج أو معيل قادر على المشاركة في توفير الاحتياجات.

كما أظهرت المتابعة أن بعض الأسر كبيرة الحجم، بسبب ضعف الدخل وارتفاع تكاليف السكن، اضطرت إلى الإقامة في أماكن غير مهيأة للسكن الأسري المستقر، بما في ذلك مزارع في ضواحي طرابلس ومناطق مثل قصر الأخيار والقربولي، إضافة إلى تجمعات ومخيمات داخل منطقة الكريمية وتاجوراء. وفي هذه المواقع قد تعيش الأسرة في مساحات محدودة أو مساكن تفتقر إلى بعض الخدمات الأساسية والخصوصية والبيئة الملائمة للأطفال.

وتصبح هذه الظروف أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأسر التي تضم عددا كبيرا من الأطفال، إذ يؤدي الاكتظاظ وضعف الخصوصية ومحدودية المياه والخدمات الصحية إلى زيادة الأعباء على الوالدين، وعلى النساء بصورة خاصة، كما قد ينعكس على صحة الأطفال واستقرارهم النفسي وقدرتهم على التعليم والعيش في بيئة آمنة.

ويصبح مستوى الهشاشة أعلى عندما تجتمع عدة عوامل داخل الأسرة نفسها:

أسرة كبيرة الحجم + غياب المعيل  +  عدم وجود دخل ثابت  +  سكن غير ملائم أو غير مستقر  +  وجود مرض أو إعاقة

وفي مثل هذه الحالات، لا يكون ارتفاع عدد أفراد الأسرة مشكلة بحد ذاته، وإنما يصبح عاملا مضاعفا لبقية أوجه الهشاشة؛ فكل أزمة في الدخل أو السكن أو الصحة تؤثر في عدد أكبر من الأشخاص، وتزيد الضغط على الشخص المسؤول عن إعالة الأسرة ورعايتها.

وتؤكد هذه الحالات إحدى النتائج الأساسية للدراسة، وهي أن الهشاشة الاجتماعية في معظم الأسر لا تنتج عن عامل منفرد، وإنما عن تراكم عدة عوامل مترابطة داخل الأسرة نفسها. ولهذا ينبغي ألا يقتصر تقييم الأسر كبيرة الحجم على عدد أفرادها، بل يجب أن يشمل وضع السكن، ووجود المعيل، ومصادر الدخل، والحالة الصحية، وعدد الأطفال، وقدرة الأسرة على الوصول إلى التعليم والخدمات الأساسية.

الجزء الثاني من النزوح إلى الهشاشة المركبة: السكن والدخل والصحة والحماية

خامسا: مؤشرات الهشاشة الاجتماعية

أظهرت مراجعة الحالات أن الأسر السودانية التي شملتها الدراسة لا تواجه عادة عامل هشاشة واحدا، بل مجموعة متداخلة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والصحية. ففي عدد كبير من الملفات، اجتمع غياب الدخل مع وجود أطفال ومرض أو إعاقة وعدم استقرار السكن وغياب المعيل أو ضعفه.

ومن منظور القسم الاجتماعي في مرصد بلادي لحقوق الإنسان، فإن تراكم عوامل الهشاشة هو العنصر الأكثر أهمية عند تحديد أولوية التدخل؛ فالأسرة التي تعاني الفقر وحده تختلف في مستوى احتياجها عن أسرة بلا دخل تضم أطفالا وتعيل شخصا مريضا أو من ذوي الإعاقة وتواجه في الوقت نفسه خطر فقدان المسكن. وتظهر هذه الهشاشة بصورة خاصة في الأسر التي تتحمل فيها المرأة المسؤولية الرئيسية؛ لأن فقدان أحد عناصر الاستقرار، مثل السكن أو الدخل أو صحة أحد أفراد الأسرة، ينتقل مباشرة إلى عبء إضافي على المرأة.

5.1 فقدان الدخل والمعيل

يُعد غياب الدخل المستقر العامل الأكثر تكرارا في ملفات الحالات التي تمت مراجعتها. وأظهرت البيانات أن نسبة كبيرة من الأسر تعتمد على:

•  أعمال يومية وغير مستقرة.

•  مساعدات من الأقارب أو أفراد المجتمع.

•  دعم محدود من منظمات أو مبادرات إنسانية.

•  أو لا تمتلك أي مصدر دخل واضح.

وفي عدد من الحالات، كان فقدان المعيل هو السبب المباشر في انتقال الأسرة إلى حالة من الهشاشة الشديدة، وتنوعت أسباب غياب المعيل بين:

•  وفاة الزوج.

•  فقدانه أو اختفاؤه خلال الحرب.

•  بقاؤه داخل السودان.

•  انفصال الأسرة أثناء رحلة النزوح.

•  المرض أو الإعاقة التي تمنع الزوج من العمل.

•  وجود الأم وحدها مع الأطفال في ليبيا.

•  احتجازه في أحد السجون أو مراكز الاحتجاز في ليبيا.

وفي هذه الحالات تصبح المرأة مسؤولة بصورة شبه كاملة عن توفير الاحتياجات الأساسية للأسرة، رغم محدودية فرص العمل المتاحة لها، ما يضعها تحت ضغط اقتصادي واجتماعي كبير. ولا تقتصر المشكلة على كون المرأة بلا دخل، بل تتمثل في أنها تصبح مسؤولة عن إدارة الفقر نفسه: البحث عن الطعام، والتفاوض بشأن الإيجار، ومتابعة الأطفال، وتأمين الدواء، والتواصل مع الجهات المانحة، ومحاولة توفير مورد مالي في الوقت نفسه.

كما أن غياب الدخل الثابت لا يؤثر فقط على الغذاء، وإنما يؤدي إلى سلسلة من المشكلات الأخرى، أبرزها تراكم الإيجارات، وعدم القدرة على شراء الأدوية، وتأجيل الفحوصات الطبية، وصعوبة شراء احتياجات الأطفال، وعدم القدرة على تحمل تكاليف التعليم والنقل.

5.2 السكن وخطر فقدان المأوى

يمثل السكن ثاني أكبر مصادر الضغط الاجتماعي على الأسر التي شملتها الدراسة. وتبين من مراجعة الملفات أن عددا كبيرا من الأسر يعيش في مساكن بالإيجار، بينما لا يمتلك دخلا ثابتا يسمح له بضمان دفع الإيجار بصورة منتظمة. وسجلت حالات:

•  تراكمت عليها الإيجارات.

•  تلقت تهديدات بالإخلاء.

•  اضطرت إلى الانتقال بين أكثر من مسكن.

•  اعتمدت على أقارب أو معارف لتوفير مكان مؤقت للإقامة.

•  لجأت إلى المخيمات أو التجمعات غير الرسمية بسبب عدم القدرة على تحمل تكاليف السكن.

ومن منظور اجتماعي، لا يمثل فقدان المسكن مجرد مشكلة مادية، بل يشكل عاملا يؤدي إلى تفكك الاستقرار الأسري، خصوصا بالنسبة للنساء اللاتي يعشن بمفردهن مع أطفالهن. فالتهديد بالإخلاء يضع الأسرة أمام خيارات محدودة، قد تشمل الانتقال إلى مساكن غير مناسبة أو مزدحمة، أو الاعتماد على أشخاص آخرين لتوفير المأوى، وهو ما يمكن أن يزيد بدوره من مخاطر الاستغلال والعنف.

وتصبح المرأة التي لا تمتلك دخلا أو مسكنا ثابتا أكثر اعتمادا على الآخرين، وهو عامل يجب التعامل معه من منظور الحماية، لأن فقدان الاستقلال الاقتصادي والسكني يمكن أن يفتح المجال لعلاقات غير متوازنة أو استغلالية. ولهذا ينبغي التعامل مع خطر الإخلاء باعتباره مؤشر حماية وليس مجرد مشكلة مرتبطة بدفع الإيجار.

سادسا: المخيمات والتجمعات غير الرسمية

أظهرت المتابعة الاجتماعية أن بعض الأسر السودانية لا تعيش في مساكن مستقلة، وإنما في مخيمات أو تجمعات سكنية غير رسمية. وتواجه الأسر في هذه المواقع مجموعة إضافية من عوامل الهشاشة، منها:

•  ضعف البنية التحتية.

•  محدودية المياه والخدمات الصحية.

•  ضعف التهوية.

•  الاكتظاظ.

•  غياب الخصوصية.

•  محدودية الوصول المنتظم إلى الخدمات الطبية.

•  ضعف البيئة المناسبة للأطفال.

مستوى هشاشة مرتفع جدا

وتؤثر هذه الظروف بصورة خاصة على الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة أو ذوي الإعاقة. كما أن غياب الخصوصية داخل التجمعات المكتظة له أثر خاص على النساء والفتيات، ويجب التعامل معه كجزء من معايير الحماية وليس باعتباره مجرد مسألة تتعلق بجودة السكن.

وقد حوّلت الإقامة لفترات طويلة داخل تجمعات غير مهيأة للسكن الدائم الحلَّ المؤقت إلى وضع مستمر من الهشاشة الاجتماعية. ومن هنا يرى القسم الاجتماعي ضرورة ألا تقتصر التدخلات داخل هذه المواقع على توزيع المساعدات الغذائية، وإنما ينبغي أن تشمل تقييم البيئة السكنية والصحية، وتحسين خدمات المياه والنظافة، ومكافحة الأمراض، وتوفير زيارات طبية دورية، وإنشاء آليات واضحة لإحالة الحالات الأكثر ضعفا إلى الخدمات المتخصصة.

سابعا: الوضع الصحي والأمراض المزمنة

أظهرت ملفات الحالات وجود عدد ملحوظ من الأسر التي تضم أشخاصا يعانون من أمراض مزمنة أو حالات صحية تحتاج إلى متابعة مستمرة. وشملت الحالات الصحية التي ظهرت في الملفات:

•  أمراض القلب.

•  السكري.

•  ارتفاع ضغط الدم.

•  أمراض الكلى.

•  أمراض مزمنة أخرى تحتاج إلى أدوية وفحوصات دورية.

•  حالات تتطلب تدخلا جراحيا أو علاجا متخصصا.

•  إعاقات جسدية تؤثر على القدرة على الحركة والعمل.

•  حالات مرضية بين الأطفال تحتاج إلى متابعة طويلة الأمد.

وتكمن المشكلة الرئيسية في أن المرض لا يمثل في هذه الحالات مشكلة صحية فقط، وإنما يتحول إلى عامل اجتماعي واقتصادي؛ فإذا كان المريض هو معيل الأسرة، قد يؤدي المرض إلى فقدان مصدر الدخل بالكامل، وإذا كان المريض طفلا، تضطر الأم أو الأب إلى تخصيص جزء كبير من الوقت والموارد لمتابعة العلاج. كما أن تكاليف الفحوصات والأدوية والمواصلات والمراجعات الطبية تمثل عبئا كبيرا على الأسر التي لا تمتلك دخلا ثابتا، وقد أظهرت المتابعة أن بعض الأسر تضطر إلى تأجيل العلاج أو شراء جزء من الأدوية فقط نتيجة عدم القدرة على تحمل التكاليف.

7.1 الإعاقة واعتماد الأسرة على مقدم رعاية واحد

وثقت الدراسة حالات لأشخاص يعانون من إعاقات أو أمراض تحد من قدرتهم على الحركة أو العمل. وفي بعض هذه الحالات، أصبحت الزوجة أو أحد أفراد الأسرة مسؤولا في الوقت نفسه عن: الرعاية الصحية + رعاية الأطفال + توفير الغذاء + البحث عن الدخل + متابعة الاحتياجات اليومية، وهذا يخلق ما يمكن وصفه بـ عبء الرعاية المركب.

وتزداد الخطورة عندما يكون مقدم الرعاية امرأة بلا مصدر دخل ثابت وتعيل أطفالا إلى جانب الزوج المريض أو الشخص ذي الإعاقة؛ فالمرأة في هذه الحالات لا تواجه فقط عبء الإعالة الاقتصادية، بل تتحول إلى مقدم رعاية صحية، ومسؤولة عن الأطفال، ومتابعة للأسرة أمام المؤسسات المختلفة. ولهذا فإن دعم هذه الأسر لا ينبغي أن يقتصر على تقديم العلاج للمريض، بل يجب أن يشمل الأسرة بأكملها باعتبارها وحدة اجتماعية متأثرة بالحالة الصحية.

ثامنا: الصحة النفسية والضغط الاجتماعي

لم تكن جميع الملفات تتضمن تقييما نفسيا متخصصا، ولذلك لا يمكن تقديم تشخيصات نفسية للحالات، لكن المتابعة الاجتماعية أظهرت مؤشرات متكررة على الضغط النفسي والاجتماعي المرتبط بتجربة الحرب والنزوح وعدم الاستقرار. وتشمل مصادر الضغط:

•  فقدان أفراد من الأسرة.

•  الانفصال عن الزوج أو الأبناء.

•  القلق على أفراد الأسرة الموجودين في السودان.

•  عدم استقرار السكن.

•  الخوف من الإخلاء.

•  عدم القدرة على توفير الطعام أو العلاج للأطفال.

•  البطالة.

•  المرض.

•  غياب شبكات الدعم.

•  عدم وضوح المستقبل.

وتتحمل النساء المعيلات ضغطا مضاعفا، لأنهن مطالبات بتوفير احتياجات الأسرة مع الاستمرار في رعاية الأطفال والتعامل مع الآثار النفسية للنزوح. كما أن المرأة التي فقدت زوجها أو انقطع الاتصال به أو بقي في السودان تتحمل في كثير من الحالات مسؤولية إدارة آثار الفقد على الأطفال، في الوقت الذي تتعامل فيه هي نفسها مع تجربة النزوح والفقد.

أما الأطفال، فقد تظهر آثار النزوح عليهم من خلال الخوف، وعدم الاستقرار، والانقطاع عن التعليم، وتغير البيئة الاجتماعية، وفقدان الأصدقاء أو أفراد الأسرة. ولذلك ينبغي إدماج الدعم النفسي والاجتماعي ضمن برامج الاستجابة، وعدم التعامل معه باعتباره خدمة ثانوية مقارنة بالغذاء أو العلاج.

تاسعا: ضعف شبكات الدعم الاجتماعي

كان فقدان شبكات الدعم التقليدية من أبرز الآثار الاجتماعية للنزوح التي ظهرت في الحالات. ففي السودان، كانت الأسرة الممتدة والجيران والمجتمع المحلي يشكلون في كثير من الأحيان شبكة دعم تساعد الأسرة في:

•  رعاية الأطفال.

•  مواجهة المرض.

•  توفير الطعام.

•  تقديم المساعدة المالية.

•  توفير السكن المؤقت.

•  التعامل مع الأزمات الأسرية.

لكن النزوح أدى في حالات كثيرة إلى تفكك هذه الشبكات، ووصلت بعض النساء إلى ليبيا دون الزوج أو أفراد الأسرة الممتدة، وأصبحن مسؤولات وحدهن عن الأطفال. وهذه النقطة مهمة في فهم عبء المرأة السودانية في ليبيا؛ ففي كثير من الحالات لم تفقد المرأة الزوج أو مصدر الدخل فقط، بل فقدت منظومة كاملة من الأشخاص الذين كانوا يشاركونها رعاية الأطفال واتخاذ القرارات وتوفير الدعم وقت الأزمات.

كما أن الأسر التي انتقلت بين أكثر من مدينة داخل ليبيا واجهت صعوبة أكبر في بناء علاقات اجتماعية مستقرة، وفي بعض الحالات أصبحت الأسرة تعتمد بصورة كبيرة على مبادرات فردية أو شبكات المجتمع السوداني أو المنظمات الإنسانية بدل شبكات الدعم الأسرية التقليدية. ومن منظور العمل الاجتماعي، فإن إعادة بناء شبكات الدعم المجتمعي يمكن أن تقلل بصورة كبيرة من هشاشة الأسرة، خصوصا بالنسبة للنساء المعيلات وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.

عاشرا: الأمن الغذائي

أظهرت الحالات أن الغذاء يمثل أحد أكثر الاحتياجات إلحاحا وتكرارا، فالعديد من الأسر لا تمتلك دخلا ثابتا يسمح بشراء احتياجاتها الغذائية بصورة منتظمة، خصوصا الأسر كبيرة العدد أو التي تضم عدة أطفال. وفي بعض الحالات تعتمد الأسرة على:

•  المساعدات الغذائية.

•  الدعم من أفراد المجتمع.

•  الاقتراض.

•  شراء الحد الأدنى من المواد الأساسية.

•  تقليل كمية أو نوعية الطعام.

وتزداد هشاشة الأمن الغذائي عندما تجتمع عدة عوامل داخل الأسرة، مثل غياب المعيل + وجود عدد كبير من الأطفال + ارتفاع الإيجار + وجود مريض يحتاج إلى علاج، وفي هذه الحالات قد تضطر الأسرة إلى المفاضلة بين شراء الغذاء ودفع الإيجار وشراء الدواء.

وتقع مسؤولية هذه المفاضلات في العديد من الحالات على المرأة، التي تصبح مطالبة يوميا بتحديد ما إذا كانت الأولوية للطعام أو الدواء أو الإيجار أو احتياجات الأطفال، وهو أحد الأشكال غير المرئية للضغط الذي تتحمله النساء المعيلات. ومن هنا يرى القسم الاجتماعي أن المساعدات الغذائية تظل ضرورية لبعض الأسر، لكنها يجب ألا تتحول إلى الاستجابة الوحيدة، لأن الاعتماد المستمر على السلال الغذائية لا يعالج الأسباب الأساسية للهشاشة. والحل الأكثر استدامة يتطلب الجمع بين:

المساعدة الغذائية العاجلة + برامج سبل العيش  +  فرص العمل  +  دعم النساء المعيلات  +  الحماية الاجتماعية

الحادي عشر: الوصول إلى الرعاية الصحية

يمثل الوصول إلى العلاج تحديا متكررا في عدد من الحالات التي تمت مراجعتها، ولا تتعلق المشكلة دائما بعدم وجود المرافق الصحية، وإنما كذلك بـ:

•  تكلفة العلاج.

•  تكلفة الفحوصات والتحاليل.

•  أسعار الأدوية.

•  تكاليف العمليات.

•  تكاليف النقل إلى المستشفى.

•  الحاجة إلى العلاج المتخصص.

•  عدم قدرة الأسرة على متابعة العلاج لفترات طويلة.

وتصبح هذه المشكلة أكثر خطورة بالنسبة إلى الأسر التي تضم مرضى بأمراض مزمنة أو أطفالا يحتاجون إلى متابعة مستمرة. كما أن غياب الدخل قد يؤدي إلى تأخير زيارة الطبيب إلى أن تتدهور الحالة الصحية، ما يزيد في النهاية من تكلفة العلاج ومن المخاطر على المريض.

وفي الحالات التي تكون المرأة فيها المسؤولة الرئيسية عن الأسرة، تضطر في كثير من الأحيان إلى الجمع بين البحث عن تكلفة العلاج والعناية بالمريض ورعاية بقية الأطفال وتأمين احتياجات الأسرة. ولهذا ينبغي النظر إلى الدعم الطبي الطارئ باعتباره أحد المكونات الأساسية لبرامج الحماية الاجتماعية الموجهة لهذه الأسر.

الثاني عشر: الأطفال والتعليم

لا تتوفر في جميع الملفات بيانات تفصيلية تسمح بحساب نسبة الأطفال الملتحقين بالتعليم أو المنقطعين عنه، ولذلك لا يمكن تقديم رقم دقيق في هذا الجانب. لكن وجود ما لا يقل عن 60 طفلا موثقا داخل العينة يجعل التعليم أحد الملفات التي يجب أن تحظى بأولوية في أي تدخل مستقبلي. ويواجه الأطفال النازحون مجموعة من العوائق المحتملة أمام الاستمرار في التعليم، من بينها:

•  عدم استقرار مكان إقامة الأسرة.

•  الانتقال المتكرر بين المدن أو المساكن.

•  ضعف دخل الأسرة.

•  تكاليف المستلزمات والنقل.

•  الحاجة إلى مساهمة الأطفال في مساعدة الأسرة.

•  صعوبات الوثائق والإجراءات.

•  الآثار النفسية للحرب والنزوح.

ويحذر القسم الاجتماعي من أن استمرار الانقطاع عن التعليم لا يمثل مشكلة تعليمية فقط، بل عامل حماية أيضا، لأن بقاء الطفل خارج المدرسة لفترات طويلة يزيد احتمالات تعرضه للعمل المبكر أو الاستغلال أو التسول أو العنف. كما أن مسؤولية متابعة تعليم الأطفال تقع في معظم الحالات التي تقودها النساء على الأم، بما يضيف عبئا آخر إلى مسؤوليات السكن والغذاء والعلاج والحماية.

الثالث عشر: الاحتياجات الأساسية كما تظهر من ملفات الحالات

من خلال مراجعة الحالات، يمكن تصنيف الاحتياجات الأكثر تكرارا في ست مجموعات رئيسية:

1.الغداءمساعدات غذائية منتظمة ومؤقتة للأسر التي لا تمتلك أي مصدر دخل، مع إعطاء الأولوية للأسر التي تضم أطفالا أو مرضى أو أشخاصا ذوي إعاقة.
2.السكندعم الإيجار والحماية من الإخلاء، خصوصا للنساء المعيلات والأسر التي تضم أطفالا.
3.الصحةتغطية تكاليف العلاج والفحوصات والأدوية والعمليات والحالات الطارئة، وإنشاء مسار إحالة واضح للحالات الطبية.
4.سبل العيشتوفير فرص عمل أو تدريب مهني ومشروعات صغيرة تساعد الأسر على الانتقال تدريجيا من الاعتماد على المساعدات إلى الاعتماد على دخل مستقر، مع إعطاء اهتمام خاص بالنساء المعيلات.
5.حماية الأطفالمتابعة الأطفال فاقدي الرعاية أو المعرضين للخطر، ودعم استمرارهم في التعليم، وتوفير خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي.
6.الدعم النفسي والاجتماعيخصوصا للنساء اللاتي فقدن أزواجهن أو انفصلن عنهم، وللأطفال المتأثرين بالحرب والنزوح، وللأسر التي تعيش حالات مرضية أو اقتصادية شديدة.
الجزء الثالث المرأة نقطة ارتكاز الأسرة: من الاستجابة الطارئة إلى الحماية والتمكين

الرابع عشر: القراءة الاجتماعية العامة للنتائج

تكشف الحالات التي تمت مراجعتها عن نمط من الهشاشة المركبة وليس مجرد احتياجات إنسانية منفصلة. ففي عدد كبير من الأسر تبدأ المشكلة بفقدان المعيل أو النزوح، ثم تتبعها سلسلة مترابطة:

فقدان الدخل ← عدم القدرة على دفع الإيجار ← خطر فقدان السكن ← ضعف القدرة على شراء الغذاء والدواء ← زيادة الضغط على المرأة ← تدهور أوضاع الأطفال ← زيادة الاعتماد على المساعدات

ولهذا فإن تقديم مساعدة واحدة، مثل سلة غذائية أو دفع تكلفة علاج لمرة واحدة، قد يحل مشكلة عاجلة لكنه لا يخرج الأسرة من دائرة الهشاشة. ومن أبرز ما تكشفه الأرقام:

•  تمت مراجعة 94 ملفا.

•  بعد التنقيح والتحديث، تم تحديد نحو 64 حالة أسرية سودانية مستقلة.

•  51 حالة من أصل 64 كانت لنساء أو لأسر تمثل المرأة فيها صاحبة الملف والمسؤولة الرئيسية عن متابعة الاحتياجات، أي نحو 80%.

•  تم توثيق ما لا يقل عن 130 طفلا بصورة صريحة، مع ترجيح أن العدد الفعلي أعلى.

•  وصلت بعض الأسر إلى 9 أطفال داخل الأسرة الواحدة.

•  وفي السياق العام للنزوح السوداني إلى ليبيا، يقدر تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عدد اللاجئين السودانيين بنحو 566,043 شخصا، وتشكل النساء والأطفال 62% منهم.

هذه الأرقام تجعل المرأة والطفل في مركز نتائج الدراسة، وليس باعتبارهما مجرد فئتين ضمن قائمة المستفيدين. فالمرأة في نسبة كبيرة من الحالات أصبحت نقطة الارتكاز الأساسية للأسرة: تبحث عن الغذاء والسكن والعلاج، وتعتني بالأطفال، وفي بعض الحالات بالزوج المريض أو المعاق، وتحاول في الوقت نفسه إيجاد مصدر للدخل. كما تكشف الحالات أن هذه المسؤولية لا تأتي في بيئة آمنة ومستقرة دائما، بل في سياق يتضمن مخاطر الإخلاء والاستغلال والعنف وضعف الحماية وصعوبة الوصول إلى الخدمات، وبذلك تصبح المرأة في بعض الحالات مطالبة بحماية الأسرة وهي نفسها بحاجة إلى الحماية.

أما الطفل فهو الطرف الذي يتحمل بصورة غير مباشرة نتائج كل هذه الأزمات؛ فإذا فقدت الأسرة دخلها يتأثر غذاؤه، وإذا فقدت مسكنها يتأثر استقراره، وإذا مرض أحد الوالدين تتأثر الرعاية المقدمة له، وإذا طال النزوح يصبح تعليمه واستقراره النفسي والاجتماعي أكثر عرضة للخطر.

ومن هنا، فإن الاستجابة التي يقترحها القسم الاجتماعي في مرصد بلادي لحقوق الإنسان يجب أن تقوم على إدارة الحالة الأسرية وليس إدارة الاحتياج المنفرد؛ أي دراسة الأسرة كوحدة واحدة، وتحديد مجموع عوامل الهشاشة الموجودة فيها، ثم بناء خطة تدخل تناسب احتياجاتها الفعلية.

الخامس عشر: المرأة السودانية بين الإعالة والحماية

تُظهر الدراسة أن أحد أبرز التحولات الاجتماعية الناتجة عن الحرب والنزوح يتمثل في انتقال مسؤولية الأسرة بصورة واسعة إلى النساء. فالمرأة التي كانت تعتمد سابقا على الزوج أو الأسرة الممتدة أو شبكة اجتماعية محلية أصبحت في كثير من الحالات مسؤولة بمفردها عن:

الأطفال +  السكن  +  الغذاء  +  العلاج  +  الدخل  +  التعامل مع المؤسسات  +  الحماية اليومية للأسرة

ولا ينبغي قراءة هذا التحول باعتباره مجرد “زيادة في دور المرأة”، لأن المسؤوليات الجديدة نشأت في جانب كبير منها نتيجة الحرب والفقد والانفصال والمرض والنزوح.

كما أن تحمل المرأة لهذه المسؤوليات لا يعني بالضرورة أنها أصبحت أكثر استقلالا من الناحية الاقتصادية؛ ففي عدد كبير من الحالات تتحمل مسؤولية كاملة دون وجود مصدر دخل أو سكن ثابت أو شبكة حماية. وهذا التناقض بين اتساع المسؤولية وضعف الموارد يمثل أحد أهم مصادر الهشاشة التي تكشفها الدراسة.

كما أن تعرض النساء لمخاطر الحماية أو سوء المعاملة أو الاستغلال يصبح أكثر احتمالا عندما تضطر المرأة إلى الاعتماد على أشخاص آخرين للحصول على السكن أو العمل أو المساعدة. ولهذا يجب أن تكون برامج حماية النساء مرتبطة مباشرة ببرامج السكن والدخل والعمل ورعاية الأطفال والصحة، لأن الحماية لا يمكن فصلها عن الاستقلال الاجتماعي والاقتصادي.

السادس عشر: ترتيب درجات الهشاشة والأولوية

استنادا إلى الحالات التي تمت مراجعتها، يمكن اعتبار الأسر التالية من الفئات ذات الأولوية الأعلى:

أولوية شديدة
•  امرأة بمفردها مع أطفال ودون دخل. •  أسرة مهددة بفقدان السكن أو التشرد. •  أسرة تضم طفلا مريضا أو شخصا ذا إعاقة ولا تمتلك دخلا. •  امرأة حامل دون دعم أسري أو اقتصادي، خصوصا في ظل المنع الحكومي من استقبال النساء الحوامل دون إجراءات إقامة رسمية. •  أطفال فاقدو الرعاية الأسرية. •  أسر تعرض أحد أفرادها للعنف أو الاستغلال أو يواجه خطرا مباشرا. •  أسرة تضم عددا كبيرا من الأطفال دون معيل.
أولوية مرتفعة
•  أسر ذات دخل يومي غير منتظم، على سبيل المثال الأمهات اللواتي يعتمدن على بيع الخردة والبلاستيك. •  أسر لديها متأخرات إيجار. •  أسر تضم مرضى بأمراض مزمنة. •  نساء يقدمن الرعاية لأزواج مرضى أو ذوي إعاقة. •  أسر لديها أطفال خارج التعليم. •  أسر تعيش في مخيمات أو تجمعات غير رسمية غير ملائمة.
أولوية للمتابعة والتمكين
•  أسر تحصل على مساعدات مؤقتة لكن لا تمتلك مصدر دخل مستداما. •  نساء قادرات على العمل ويحتجن إلى تدريب أو مشروع صغير. •  أسر تحتاج إلى ربطها بالخدمات الصحية أو التعليمية أو برامج سبل العيش.

السابع عشر: توصيات القسم الاجتماعي – مرصد بلادي لحقوق الإنسان

استنادا إلى نتائج دراسة الحالات، يرى القسم الاجتماعي في مرصد بلادي لحقوق الإنسان أن الاستجابة يجب أن تنتقل من تقديم مساعدات متفرقة إلى نظام لإدارة الحالات الاجتماعية قائم على تقييم درجة الهشاشة.

17.1 إنشاء نظام موحد لإدارة الحالات

يوصى بإنشاء قاعدة بيانات اجتماعية للحالات تتضمن:

•  تركيبة الأسرة.

•  عدد الأطفال.

•  مصادر الدخل.

•  وضع السكن.

•  الوضع الصحي.

•  الإعاقة.

•  الاحتياجات الطبية.

•  مستوى الأمن الغذائي.

•  عوامل الحماية.

•  التدخلات التي حصلت عليها الأسرة سابقا.

والهدف هو منع ازدواجية المساعدات، وتحديد الحالات ذات الأولوية، ومتابعة تطور أوضاع الأسرة بدل التعامل معها في كل مرة باعتبارها حالة جديدة.

17.2 إعطاء الأولوية للأسر التي تعيلها النساء

في ضوء أن 51 من أصل نحو 64 حالة كانت المرأة فيها صاحبة الملف والمسؤولة الرئيسية عن متابعة احتياجات الأسرة، ينبغي اعتبار النساء المعيلات أو المسؤولات فعليا عن الأسرة من الفئات ذات الأولوية في برامج الدعم. ويجب ألا يقتصر الدعم على المساعدات النقدية والغذائية، بل يشمل:

•  التدريب المهني.

•  فرص العمل المناسبة.

•  المشروعات الصغيرة.

•  دعم رعاية الأطفال.

•  الدعم النفسي والاجتماعي.

•  المساعدة في الوصول إلى الخدمات.

•  برامج حماية تقلل تعرض النساء للاستغلال والعنف.

•  دعم الاستقلال السكني والاقتصادي للنساء الأكثر هشاشة.

17.3 إنشاء صندوق للحالات الطبية الطارئة

تحتاج الأسر إلى آلية سريعة لتغطية:

•  الأدوية.

•  الفحوصات.

•  العمليات العاجلة.

•  الأجهزة والمستلزمات الطبية.

•  تكاليف النقل إلى المستشفيات.

•  علاج الأطفال.

•  متابعة الأمراض المزمنة.

ويجب أن تكون هناك آلية واضحة للإحالة الطبية بحيث لا تضطر الأسرة إلى البحث في كل مرة عن جهة جديدة لتمويل العلاج.

17.4 دعم السكن ومنع التشرد

يوصى بإنشاء برنامج محدود لدعم الإيجار للحالات الأكثر هشاشة، خصوصا:

•  النساء مع الأطفال.

•  الأسر المهددة بالإخلاء.

•  الأسر التي تضم أشخاصا ذوي إعاقة.

•  الأسر التي فقدت مصدر دخلها بصورة كاملة.

ويجب التعامل مع الإخلاء باعتباره مؤشر حماية اجتماعية وليس مجرد نزاع مالي بين المستأجر والمالك.

17.5 حماية الأطفال

مع وجود 130 طفلا على الأقل موثقين داخل العينة، يجب أن تكون حماية الأطفال محورا أساسيا في أي استجابة. ويشمل ذلك:

•  متابعة الأطفال غير الملتحقين بالتعليم.

•  منع عمل الأطفال والاستغلال والتسول.

•  توفير الدعم النفسي والاجتماعي.

•  متابعة الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية.

•  ضمان حصول الأطفال المرضى على العلاج.

•  إنشاء آلية إحالة للحالات المعرضة للعنف أو الاستغلال.

17.6 الانتقال من المساعدة إلى التمكين

المساعدات الغذائية والنقدية ضرورية في الحالات الطارئة، لكنها لا يمكن أن تكون حلا دائما. لذلك توصي الدراسة بربط المساعدة ببرامج:

التدريب ← العمل  ←  الدخل  ←  الاستقلال التدريجي عن المساعدات

ويجب التركيز خصوصا على النساء القادرات على العمل والشباب داخل الأسر.

الثامن عشر: توصيات مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء

انطلاقا من النتائج الاجتماعية التي توصل إليها القسم الاجتماعي في مرصد بلادي، يقدم مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء مجموعة من التوصيات المكمّلة من منظور النزوح والهجرة والحماية.

18.1 عدم اختزال الأسر السودانية في وضعها القانوني

يوصي المركز بألا يكون امتلاك الإقامة أو الوثائق هو المعيار الوحيد الذي يحدد قدرة الأسرة على الوصول إلى الخدمات الإنسانية الأساسية. فبين السودانيين الموجودين في ليبيا أشخاص فروا من الحرب وفقدوا مساكنهم ومصادر دخلهم وشبكاتهم الاجتماعية، ولذلك يجب أن يسبق تقييم الحاجة والحماية والهشاشة أي تصنيف إداري عام.

18.2 تعزيز آليات تحديد الأشخاص المحتاجين للحماية

ينبغي تطوير آليات تساعد على تحديد:

•  النساء المعيلات.

•  النساء المعرضات للعنف أو الاستغلال.

•  الأطفال غير المصحوبين أو المنفصلين عن أسرهم.

•  ضحايا العنف والاستغلال.

•  الأشخاص ذوي الإعاقة.

•  المرضى بأمراض خطيرة.

•  كبار السن.

•  الأشخاص الذين قد تكون عودتهم غير آمنة.

•  الأشخاص الذين يحتاجون إلى حماية دولية.

والهدف هو منع وقوع الفئات الأكثر هشاشة بين فجوات أنظمة الهجرة والمساعدات الإنسانية.

18.3 الفصل بين إدارة الهجرة والاستجابة الإنسانية

يرى المركز ضرورة التمييز بين تنظيم الدولة لدخول وإقامة الأجانب وبين حق الأشخاص الموجودين على أراضيها في الحصول على الحد الأدنى من الخدمات الإنسانية؛ فالغذاء والعلاج وحماية الطفل والاستجابة للحالات الطارئة ينبغي ألا تتوقف على الوضع الإداري للشخص.

18.4 تحسين الوصول إلى الخدمات

ينبغي تعزيز التنسيق بين السلطات المحلية والمرافق الصحية والمنظمات الإنسانية لضمان وصول الأسر السودانية إلى:

•  العلاج.

•  التطعيمات.

•  خدمات الأمومة والطفولة.

•  التعليم.

•  الحماية الاجتماعية.

•  خدمات الأشخاص ذوي الإعاقة.

كما ينبغي إنشاء مسارات إحالة معروفة وواضحة، بدل اضطرار الأسرة إلى التنقل بين عدة جهات بحثا عن المساعدة.

18.5 تعزيز البدائل عن الاحتجاز للفئات الهشة

من منظور الحماية، يوصي المركز بتجنب احتجاز الأطفال والأسر والنساء الحوامل والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة كلما أمكن ذلك، والعمل على إيجاد بدائل مجتمعية مناسبة تراعي الوضع الإنساني والاجتماعي للحالة.

18.6 تحسين التنسيق بين المدن

تتنقل الأسر السودانية بين طرابلس وبنغازي ومصراتة وأجدابيا والكفرة وغيرها بحثا عن السكن أو العمل أو العلاج أو الأمان. ولذلك فإن غياب نظام إحالة بين المدن يؤدي إلى فقدان متابعة الحالات وإعادة عملية التقييم من البداية. ويوصي المركز بتطوير نظام إحالة ومتابعة للحالات المتنقلة مع احترام خصوصية البيانات وحماية أصحابها.

18.7 إشراك المجتمع السوداني

يمكن للروابط والمبادرات المجتمعية السودانية أن تلعب دورا مهما في:

•  تحديد الحالات الأشد هشاشة.

•  الوصول إلى الأسر التي لا تطلب المساعدة مباشرة.

•  دعم الأطفال والنساء.

•  نشر المعلومات حول الخدمات.

•  بناء شبكات دعم مجتمعية.

لكن يجب ألا تتحول هذه الشبكات إلى بديل عن مسؤولية المؤسسات والمنظمات.

التاسع عشر: توصيات إلى السلطات الليبية

توصي الدراسة السلطات الليبية بالعمل على:

1.  تسهيل وصول الحالات الإنسانية إلى المرافق الصحية دون تمييز.

2.  حماية الأطفال بصرف النظر عن الوضع القانوني لوالديهم.

3.  تعزيز التنسيق بين الشؤون الاجتماعية والصحة والتعليم والسلطات المحلية.

4.  توفير مسارات واضحة للتعامل مع الحالات الإنسانية العاجلة.

5.  مراعاة وضع النساء المعيلات والأشخاص ذوي الإعاقة والمرضى عند تطبيق الإجراءات الإدارية.

6.  دعم الجهود التي تساعد الأسر على الانتقال من الاعتماد على المساعدات إلى العمل والاستقرار.

7.  تعزيز حماية الأسر من الاستغلال والعنف والاتجار بالبشر.

8.  تطوير آليات خاصة لحماية النساء اللاتي يعشن بمفردهن مع أطفالهن.

9.  اعتبار خطر التشرد والإخلاء أحد مؤشرات الحماية الاجتماعية التي تستوجب التدخل.

العشرون: توصيات إلى المنظمات الدولية والإنسانية

توصي الدراسة المنظمات بـ:

•  توسيع برامج إدارة الحالة الاجتماعية بدل الاعتماد فقط على توزيع المساعدات.

•  إنشاء برامج دعم مخصصة للنساء المعيلات.

•  تطوير برامج حماية للنساء المعرضات للعنف والاستغلال.

•  دعم الإيجار للحالات المهددة بالتشرد.

•  زيادة الدعم الطبي للحالات المزمنة والطارئة.

•  إنشاء برامج حماية ودعم نفسي واجتماعي للأطفال.

•  دعم التحاق الأطفال بالتعليم.

•  توسيع برامج التدريب والعمل وسبل العيش.

•  توفير خدمات رعاية أطفال تساعد النساء المعيلات على الوصول إلى فرص العمل.

•  إنشاء نظام إحالة بين المنظمات لتقليل تشتت الأسرة بين الجهات المختلفة.

•  إجراء زيارات دورية للمخيمات والتجمعات غير الرسمية.

•  إشراك الأخصائيين الاجتماعيين بصورة أكبر في تصميم برامج الاستجابة.

وتؤكد الدراسة بصورة خاصة أهمية عدم اختزال الاستجابة في توزيع الغذاء، رغم أهمية المساعدات الغذائية في الحالات الطارئة، فالهدف النهائي يجب أن يكون مساعدة الأسرة على استعادة قدر من الاستقلال والاستقرار.

الحادي والعشرون: توصيات إلى الجهات المانحة

توصي الدراسة الجهات المانحة بعدم التركيز فقط على أعداد المستفيدين، وإنما على الأثر الاجتماعي للتدخل. فالأسرة قد تحصل على سلة غذائية وتُسجَّل باعتبارها مستفيدة، بينما تظل مهددة بالإخلاء، ويظل طفلها خارج المدرسة، ويظل أحد أفرادها بحاجة إلى علاج، وتظل المرأة المسؤولة عن الأسرة دون مصدر دخل. لذلك يوصى بتمويل برامج متكاملة تشمل:

الغذاء + السكن + الصحة + حماية المرأة + حماية الطفل + الدعم النفسي والاجتماعي + سبل العيش

كما يوصى بإنشاء صناديق صغيرة ومرنة للحالات الطارئة تسمح بالاستجابة السريعة للاحتياجات الطبية أو السكنية التي لا تحتمل انتظار إجراءات تمويل طويلة. كما ينبغي توجيه جزء من التمويل إلى مشروعات تمكّن النساء من الحصول على مصدر دخل مستقر، لأن تقوية قدرة المرأة الاقتصادية تنعكس مباشرة على حماية الأطفال واستقرار الأسرة بأكملها.

الثاني والعشرون: الخلاصة

توضح هذه الدراسة أن أزمة الأسر السودانية النازحة في ليبيا ليست أزمة غذاء أو سكن أو علاج كل على حدة، وإنما أزمة استقرار اجتماعي للأسرة. وتأتي هذه الأزمة ضمن سياق نزوح واسع؛ فبحسب تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا الصادر في 10 أغسطس 2026، يقدر عدد اللاجئين السودانيين في ليبيا بنحو 566,043 شخصا، وتشكل النساء والأطفال معا 62% منهم، فيما يمثل الأطفال وحدهم 24%. وتكشف هذه التركيبة الديموغرافية أن النساء والأطفال أصبحوا في قلب النزوح السوداني إلى ليبيا، وهو ما يتقاطع بصورة واضحة مع نتائج هذه الدراسة.

لقد تمت مراجعة 94 ملفا، وبعد التنقيح والتحديث تم تحديد نحو 64 حالة أسرية مستقلة. ومن بين هذه الحالات كانت المرأة صاحبة الملف والمسؤولة الرئيسية عن متابعة احتياجات الأسرة في 51 حالة، أي نحو 80%، كما تم توثيق ما لا يقل عن 130 طفلا، مع وجود أسر يصل عدد أطفالها إلى 9 أطفال. وهذه الأرقام لا تمثل جميع السودانيين في ليبيا، لكنها تكشف بوضوح عن نمط متكرر من الهشاشة الاجتماعية داخل العينة التي تمت متابعتها.

وأبرز ما تكشفه الدراسة هو الدور المركزي الذي أصبحت تقوم به النساء؛ ففي عدد كبير من الحالات لم تعد المرأة مسؤولة فقط عن رعاية الأطفال، وإنما أصبحت أيضا مسؤولة عن توفير الغذاء، ودفع الإيجار، ومتابعة العلاج، والبحث عن المساعدة، ورعاية المرضى وكبار السن، وحماية الأطفال، ومحاولة إيجاد مصدر للدخل. وجاء هذا التحول في المسؤوليات في وقت تواجه فيه النساء أنفسهن مخاطر مرتبطة بالفقر وعدم استقرار السكن والاستغلال والعنف وضعف شبكات الحماية.

وبذلك تكشف الدراسة عن مفارقة اجتماعية أساسية: المرأة أصبحت تتحمل المسؤولية الأكبر عن حماية الأسرة، بينما أصبحت في الوقت نفسه من أكثر أفرادها حاجة إلى الحماية والدعم. وفي المقابل، يبقى الأطفال الطرف الأكثر عرضة لتحمل النتائج طويلة الأمد للنزوح والفقر وعدم الاستقرار.

ولهذا يرى القسم الاجتماعي في مرصد بلادي لحقوق الإنسان أن الاستجابة الأكثر فاعلية يجب أن تبدأ من الأسرة كوحدة اجتماعية واحدة، وليس من الاحتياج المنفرد؛ فالغذاء وحده لا يحل مشكلة أسرة مهددة بالإخلاء، والعلاج وحده لا يحل مشكلة أسرة فقدت معيلها، والمساعدة النقدية المؤقتة لا تكفي إذا لم توجد فرصة لاستعادة مصدر للدخل، كما أن حماية المرأة لا يمكن تحقيقها بصورة مستدامة دون معالجة السكن والدخل والعمل ورعاية الأطفال.

ومن جانبه، يرى مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء أن معالجة هذه الهشاشة تتطلب أيضا بيئة حماية تسمح للنازحين بالوصول إلى الخدمات الأساسية، وتحدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى حماية خاصة، وتراعي الظروف التي دفعتهم إلى مغادرة السودان.

وعليه، فإن التوصية الأساسية المشتركة للدراسة هي الانتقال من الاستجابة الطارئة قصيرة الأجل إلى نموذج متكامل للحماية والاستقرار الاجتماعي يقوم على:

تحديد الحالة ←  تقييم الهشاشة  ←  التدخل العاجل  ←  إدارة الحالة  ←  حماية النساء والأطفال  ←  التمكين الاقتصادي  ←  المتابعة

فالهدف لا ينبغي أن يكون فقط إبقاء الأسرة قادرة على تجاوز يومها الحالي، وإنما مساعدتها على استعادة قدرتها على حماية أفرادها والاعتماد على نفسها والعيش بكرامة وأمان.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *