مقابلة خاصة | جميلة الأمين بن عتيق: حماية الأطفال تبدأ بإنفاذ القانون لا بالحلول الأمنية وحدها
أجرى المقابلة: مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء
تُعد عمالة الأطفال من أخطر الانتهاكات التي تمس حقوق الطفل، لما تخلّفه من آثار قانونية وإنسانية واجتماعية تمتد إلى مستقبل الطفل والمجتمع على حد سواء. وفي ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تشهدها ليبيا، برزت هذه الظاهرة بصورة أكثر وضوحًا، لتطرح تساؤلات حول مدى فاعلية منظومة الحماية القانونية، ودور مؤسسات الدولة في الوقاية من الاستغلال الاقتصادي للأطفال ومكافحته.
وفي إطار جهوده البحثية والحقوقية لرصد قضايا الهجرة وحماية الفئات الأكثر هشاشة، أجرى مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء هذه المقابلة مع الأستاذة جميلة الأمين بن عتيق، المحامية والناشطة الحقوقية، ورئيسة مجلس إدارة منظمة إحقاق للتنمية المستدامة لحقوق المرأة والطفل، للوقوف على واقع عمالة الأطفال في ليبيا، وأوضاع الأطفال المهاجرين وطالبي اللجوء، والإطار القانوني المنظم لحمايتهم، إضافة إلى مسؤولية مؤسسات الدولة، وأبرز التحديات التي تواجه جهود الحد من هذه الظاهرة، والحلول المقترحة لتعزيز حماية الأطفال وفق التشريعات الوطنية والمعايير الدولية.
نبذة عن الضيفة
الأستاذة جميلة الأمين بن عتيق محامية وناشطة حقوقية، ورئيسة مجلس إدارة منظمة إحقاق للتنمية المستدامة لحقوق المرأة والطفل. تنشط في مجال حماية حقوق الإنسان، مع اهتمام خاص بحقوق الطفل والمرأة، وقضايا العدالة وسيادة القانون، ومناهضة الاتجار بالبشر والاستغلال الاقتصادي للأطفال، وشاركت في العديد من الندوات والبرامج القانونية المعنية بحماية الطفولة وتعزيز حقوق الإنسان في ليبيا.
الواقع العام لعمالة الأطفال في ليبيا
– كيف تصفين واقع عمالة الأطفال في ليبيا خلال السنوات الأخيرة؟
ترى المحامية جميلة الأمين بن عتيق أن ليبيا شهدت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في ظاهرة عمالة الأطفال، رغم عدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة تعكس حجمها الحقيقي. وتعزو ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها هشاشة الوضع الاقتصادي، وتراجع المستوى المعيشي، واستمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والنزاعات المسلحة، إضافة إلى نزوح العديد من الأسر، ووفاة أولياء أمور بعض الأطفال، وهو ما أدى إلى فقدان المعيل ودفع عدد منهم إلى ترك الدراسة والانخراط في سوق العمل للمساهمة في إعالة أسرهم.
وتؤكد أن هذه الظاهرة لا تمثل مجرد قضية اجتماعية أو إنسانية، وإنما تشكل انتهاكًا للقانون، إذ إن ليبيا طرف في اتفاقية حقوق الطفل، كما انضمت إلى اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (182) بشأن حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والإجراءات الفورية للقضاء عليها، وهما اتفاقيتان تلزمان الدولة بحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي والعمل الجبري، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع هذه الانتهاكات.
وتضيف أن التشريعات الوطنية بدورها لم تغفل حماية الأطفال من الاستغلال في العمل، حيث نظم قانون العمل الليبي تشغيل الأحداث، ووضع ضوابط قانونية تكفل حمايتهم من الأعمال التي تمس صحتهم أو سلامتهم أو نموهم.
– هل تعتقدين أن الظاهرة في تصاعد؟ وما أبرز الأسباب التي ساهمت في انتشارها؟
تؤكد بن عتيق أن المؤشرات الميدانية تدل على تصاعد الظاهرة، نتيجة استمرار الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، إضافة إلى الفقر، وغياب المعيل، وتسرب الأطفال من التعليم، وضعف الحماية الاجتماعية.
وترى أن غياب الدراسات الوطنية والإحصاءات الدقيقة، وضعف التنسيق بين الجهات المختصة، وعدم تنفيذ التوصيات الصادرة عن الندوات وورش العمل، كلها عوامل ساهمت في استمرار الظاهرة واتساعها.
– ما أبرز أشكال عمالة الأطفال المنتشرة حاليا؟
تشير إلى أن من أبرز صور عمالة الأطفال المنتشرة التسول، وبيع المياه والسلع البسيطة في الشوارع، والعمل داخل بعض الأسواق والورش، موضحة أن هذه المظاهر تزداد خلال العطلة الصيفية والمناسبات، نتيجة الظروف الاقتصادية التي تعيشها بعض الأسر.
الأطفال المهاجرون وطالبو اللجوء
الأطفال المهاجرون أكثر عرضة للاستغلال بسبب هشاشة أوضاعهم
تؤكد المحامية جميلة الأمين بن عتيق أن الأطفال المهاجرين وطالبي اللجوء أصبحوا يمثلون جزءًا من ظاهرة عمالة الأطفال في ليبيا، باعتبارهم من أكثر الفئات عرضة للهشاشة والاستغلال. وترى أن ظروف الهجرة والنزوح، وفقدان مصادر الدخل، وعدم الاستقرار، تدفع العديد منهم إلى العمل أو التسول من أجل البقاء.
وتوضح أن غياب الوثائق القانونية، أو وجود الأطفال دون مرافقة ذويهم، يزيد من احتمالات تعرضهم للاستغلال الاقتصادي، ويجعلهم أكثر عرضة للانتهاكات مقارنة بغيرهم.
– ما أبرز الجنسيات التي تلاحظين وجود أطفالها في الشارع أو سوق العمل داخل طرابلس؟
تشير بن عتيق إلى أن الحالات التي تعاملت معها ميدانيًا كانت في معظمها لأطفال من السودان ومصر، إلى جانب وجود أطفال ليبيين ولكن بنسبة أقل، بينما يمتنع بعض الأطفال عن الإفصاح عن جنسياتهم، الأمر الذي يصعّب حصرها بدقة.
– كيف يؤثر غياب الوثائق القانونية على قابلية الأطفال للاستغلال؟
ترى أن عدم امتلاك الأطفال المهاجرين أو طالبي اللجوء للوثائق القانونية يجعلهم أكثر عرضة للاستغلال، لأنهم يترددون في اللجوء إلى الجهات المختصة خوفًا من الاحتجاز أو الترحيل، وهو ما يستغله البعض لدفعهم إلى التسول أو العمل في ظروف غير قانونية.
كما تشير إلى وجود حالات لأطفال غير مصحوبين بذويهم، وهو ما يزيد من هشاشتهم ويجعلهم بحاجة إلى حماية خاصة، وفقًا للمعايير الوطنية والدولية المتعلقة بحماية الطفل.
وتؤكد أن الجهات المختصة ينبغي أن تنظر إلى هؤلاء الأطفال باعتبارهم ضحايا يحتاجون إلى الحماية، لا باعتبارهم مخالفين للقانون، مع ضرورة التحقيق في الأشخاص الذين يستغلونهم ومحاسبتهم.
وتشدد على أن مبدأ عدم التمييز يمثل أحد المبادئ الأساسية في اتفاقية حقوق الطفل، كما أن قانون حماية الطفولة الليبي يؤكد عدم التمييز بين الأطفال، وهو ما يفرض على الدولة توفير الحماية لجميع الأطفال الموجودين على أراضيها، سواء كانوا ليبيين أو لاجئين أو مهاجرين، وسواء كانوا مصحوبين بذويهم أو غير مصحوبين.
الإطار القانوني لحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي
– كيف تنظم التشريعات الليبية عمل الأطفال؟ وهل توفر حماية قانونية كافية؟
تؤكد المحامية جميلة الأمين بن عتيق أن الإطار التشريعي الليبي يتضمن نصوصًا قانونية تنظم تشغيل الأحداث وتحظر استغلالهم، إلى جانب التزامات ليبيا الدولية بموجب اتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بعمالة الأطفال.
وتوضح أن قانون العمل الليبي وضع ضوابط واضحة لتشغيل الأحداث، من بينها ما نصت عليه المادة (39) التي تحدد ساعات عمل الحدث، بحيث لا يجوز أن تزيد ساعات العمل على ست ساعات يوميًا، وألا يعمل أكثر من أربع ساعات متصلة، مع منحه فترات راحة مناسبة، وذلك حفاظًا على صحته وسلامته ونموه البدني والنفسي.
كما تشير إلى أن المادة (40) من القانون ألزمت أصحاب العمل بإبلاغ مكاتب التشغيل ببيانات الأحداث العاملين لديهم، وأوجبت على الجهات المختصة متابعة تنفيذ هذه الأحكام، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، بما يكفل حماية الأطفال من الاستغلال في بيئة العمل.
وترى أن هذه النصوص تعكس وجود إطار قانوني واضح، إلا أن الإشكالية الحقيقية تكمن في ضعف تطبيقها على أرض الواقع، وهو ما يسمح باستمرار تشغيل الأطفال في أعمال تتعارض مع أحكام القانون.
– هل تطبق هذه القوانين بصورة فعلية؟
تؤكد بن عتيق أن هناك فجوة واضحة بين النصوص القانونية والممارسة العملية، إذ لا تزال ظاهرة عمالة الأطفال قائمة، خاصة في أعمال التسول وبعض الأعمال التي لا تتوافق مع الضوابط القانونية.
كما تشير إلى محدودية الرقابة والتفتيش على بعض أماكن العمل، وعدم تفعيل دور مفتشي العمل بالصورة المطلوبة، رغم أنهم يتمتعون بصفة مأموري الضبط القضائي فيما يتعلق بمخالفات قانون العمل.
وتضيف أن العديد من الندوات وورش العمل انتهت إلى توصيات مهمة بشأن حماية الأطفال، إلا أن هذه التوصيات لم تجد طريقها إلى التنفيذ، الأمر الذي أسهم في استمرار الظاهرة.
– كيف تقيمين تعامل الجهات المختصة مع الأطفال العاملين أو المتسولين؟
ترى بن عتيق أن التعامل مع الأطفال في كثير من الحالات يركز على ضبطهم وإبعادهم من الشوارع، دون معالجة الأسباب التي دفعتهم إلى العمل أو التسول.
وتوضح أن الطفل الذي يتم استغلاله يجب أن يُعامل باعتباره ضحية، لا باعتباره مخالفًا للقانون، وهو ما يستوجب توفير أخصائيين اجتماعيين ونفسيين داخل الجهات التي تستقبل هؤلاء الأطفال، والاستماع إليهم، والوقوف على ظروفهم، والتحقيق في الأشخاص الذين يقفون وراء استغلالهم.
كما تؤكد أهمية تدريب عناصر إنفاذ القانون على آليات التعامل مع الأطفال، بما يراعي أعمارهم واحتياجاتهم النفسية والاجتماعية، مع توفير عناصر نسائية وكوادر طبية داخل الجهات المختصة، تحقيقًا للمصلحة الفضلى للطفل، كما تقضي بذلك التشريعات الوطنية والمعايير الدولية.
مسؤولية الدولة والمؤسسات في حماية الأطفال
ما المسؤولية القانونية والأخلاقية الملقاة على الدولة الليبية تجاه الأطفال العاملين والمهاجرين؟
الآن ننتقل إلى المحور الرابع. وهذا المحور يجب أن يركز على مسؤولية الدولة كما ورد في التسجيل، دون تكرار ما سبق، مع الالتزام بكلام المحامية.
مسؤولية الدولة والمؤسسات في حماية الأطفال
– ما المسؤولية القانونية والأخلاقية الملقاة على الدولة الليبية تجاه الأطفال العاملين والمهاجرين؟
تؤكد المحامية جميلة الأمين بن عتيق أن الدولة الليبية تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية في حماية جميع الأطفال الموجودين على أراضيها، سواء كانوا أطفالًا ليبيين أو مهاجرين أو طالبي لجوء، دون أي تمييز. وتستند هذه المسؤولية إلى التزامات ليبيا الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل، التي تقوم على مبدأ عدم التمييز، إلى جانب ما تقرره التشريعات الوطنية من ضمانات لحماية الطفل.
وترى أن من واجب الدولة توفير الحماية للأطفال من جميع أشكال الاستغلال الاقتصادي، بما في ذلك التسول والعمل القسري، والعمل على مكافحة الاتجار بالبشر، وملاحقة كل من يثبت تورطه في استغلال الأطفال، مع ضمان حصولهم على حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها التعليم، والرعاية الصحية، والحماية الاجتماعية، والدعم النفسي.
وتضيف أن التعامل مع الأطفال المهاجرين يجب أن ينطلق من البعد الإنساني، باعتبار أن الهجرة بالنسبة للأطفال ليست خيارًا، وإنما فرضتها عليهم ظروف قاهرة، وهو ما يستوجب احترام كرامتهم الإنسانية وتوفير الحماية اللازمة لهم.
– هل توجد سياسات وطنية حقيقية لحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي؟
ترى بن عتيق أنه رغم انضمام ليبيا إلى اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص في المادة (32) على حماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي، وانضمامها إلى اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (138) بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام، واتفاقية رقم (182) بشأن حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال، فإن هناك فجوة واضحة بين الإطار القانوني والتطبيق العملي.
وتوضح أن هذه الفجوة تعود إلى غياب استراتيجية وطنية متكاملة لمعالجة عمالة الأطفال، وضعف آليات الرصد وجمع البيانات، وعدم توفر الإحصاءات الرسمية، إضافة إلى محدودية الرقابة على أماكن العمل التي تشغل الأطفال بصورة مخالفة للقانون.
كما تشير إلى أن العديد من الندوات وورش العمل تنتهي بإصدار توصيات مهمة، إلا أن معظمها لا يجد طريقه إلى التنفيذ، الأمر الذي يحد من أثرها في الحد من الظاهرة.
– كيف تقيمين دور المؤسسات الحكومية في معالجة الظاهرة؟
توضح بن عتيق أن وزارات الشؤون الاجتماعية، والتعليم، والعمل، والداخلية تبذل جهودًا في هذا المجال، إلا أن غياب التنسيق بين الجهات ذات العلاقة يضعف من فاعلية هذه الجهود.
وترى أن استمرار وجود الأطفال في الشوارع، ولا سيما خلال الأعياد والمناسبات والعطلة الصيفية، يعكس الحاجة إلى مراجعة السياسات الحالية، والعمل على تنفيذ برامج أكثر فاعلية لمعالجة أسباب الظاهرة، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
– لماذا تغلب المقاربة الأمنية على الحلول الاجتماعية والحقوقية؟
تؤكد بن عتيق أن طبيعة الظروف التي تمر بها ليبيا جعلت التدخل الأمني هو الأسرع والأكثر حضورًا، إذ تمتلك الأجهزة الأمنية القدرة على تنفيذ حملات ميدانية لضبط الأطفال الموجودين في الشوارع.
إلا أنها ترى أن عمالة الأطفال ليست قضية أمنية فحسب، وإنما هي قضية اجتماعية وتنموية وحقوقية، تتطلب تنسيقًا بين الأجهزة الأمنية، ووزارات الشؤون الاجتماعية، والتعليم، والعمل، والصحة، وبقية الجهات المعنية بحماية الطفل، بما يحقق المصلحة الفضلى للطفل، ويعالج الأسباب الحقيقية التي تدفعه إلى العمل أو التسول، بدل الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
الآثار الإنسانية والاجتماعية لعمالة الأطفال
– ما الآثار النفسية والاجتماعية طويلة المدى لعمالة الأطفال؟
ترى المحامية جميلة الأمين بن عتيق أن أخطر الآثار المترتبة على عمالة الأطفال تتمثل في حرمان الطفل من حقه في التعليم، الأمر الذي يؤدي إلى التسرب المدرسي وضعف التحصيل العلمي، ويحد من فرصه في الحصول على عمل لائق مستقبلًا، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها العالم نحو الاقتصاد الرقمي والتقنيات الحديثة.
وتوضح أن عمالة الأطفال لا تؤثر على مستقبل الطفل فحسب، بل تسهم في استمرار دائرة الفقر، وتحد من فرص اندماجه في المجتمع، بما ينعكس سلبًا على مسار التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وتشير إلى أن أهداف التنمية المستدامة التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2015، ولا سيما الهدف الثامن المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، دعت إلى اتخاذ تدابير فورية وفعالة للقضاء على السخرة، والرق المعاصر، والاتجار بالبشر، وحظر أسوأ أشكال عمل الأطفال، وإنهاء جميع أشكال عمالة الأطفال بحلول عام 2025. إلا أن الواقع، بحسب بن عتيق، يشير إلى استمرار الظاهرة وتزايدها في ظل الظروف التي تمر بها ليبيا.
– ما الآثار النفسية التي يتعرض لها الأطفال العاملون؟
تؤكد بن عتيق أن الأطفال الذين يتعرضون للاستغلال الاقتصادي يواجهون آثارًا نفسية عميقة، من بينها الاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، وفقدان الثقة بالنفس، والخوف، إلى جانب الضغوط المستمرة التي يتعرضون لها، سواء من داخل الأسرة عندما يُجبرون على العمل بدلًا من الدراسة، أو من قبل الأشخاص الذين يستغلونهم في أعمال مخالفة للقانون.
وترى أن هذه الآثار تترك انعكاسات طويلة الأمد على شخصية الطفل وسلوكه وقدرته على الاندماج في المجتمع.
– هل يتعرض الأطفال العاملون للعنف أو الاستغلال؟
توضح بن عتيق أن الأطفال الذين يعيشون في الشوارع أو يعملون في التسول يعدون من أكثر الفئات تعرضًا للعنف بمختلف أشكاله، بما في ذلك العنف الجسدي، والتحرش، والاستغلال الجنسي، والاستغلال الاقتصادي.
كما تشير إلى أن الأطفال المتسربين من التعليم أو الذين يعيشون في أوضاع اجتماعية هشة يكونون أكثر عرضة للاستغلال من قبل أشخاص يستفيدون من ظروفهم، مؤكدة أن القضايا التي تنظرها نيابة الأحداث تعكس وجود مثل هذه الحالات بصورة متكررة.
– إلى أي مدى يسهم الفقر والانهيار الاقتصادي والنزاعات المسلحة في دفع الأطفال إلى العمل؟
ترى بن عتيق أن الفقر، والانهيار الاقتصادي، والنزاعات المسلحة، والهشاشة الاجتماعية، وغياب المعيل، وتسرب الأطفال من التعليم، كلها عوامل رئيسية تدفع الأطفال إلى سوق العمل.
وتضيف أن هذه الظاهرة تصبح أكثر وضوحًا خلال العطلة الصيفية، حيث يزداد عدد الأطفال الذين يبيعون المياه أو السلع البسيطة في الشوارع، نتيجة الظروف الاقتصادية التي تعيشها أسرهم.
كما تلفت إلى غياب برامج صيفية تربوية وتوعوية تستهدف الأطفال خلال فترة العطلة، وهو ما يترك فراغًا يسهل استغلاله، سواء في أعمال التسول أو غيرها من صور الاستغلال الاقتصادي.
وتشير أيضًا إلى أن الأطفال في المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة يكونون أكثر عرضة للاستغلال، ليس فقط في الأعمال الاقتصادية، بل قد يتم استغلالهم في تقديم خدمات مرتبطة بالنزاعات، مثل نقل المعلومات أو القيام بأعمال مساندة، الأمر الذي يضاعف من المخاطر التي تهدد حقوقهم وسلامتهم.
الحلول والتوصيات
– ما الخطوات العاجلة التي يجب اتخاذها للحد من عمالة الأطفال في ليبيا؟
ترى المحامية جميلة الأمين بن عتيق أن الحد من عمالة الأطفال يتطلب البدء بتفعيل القوانين النافذة التي تحظر استغلال الأطفال، وتطبيق العقوبات الرادعة بحق كل من يقوم بتشغيل الأطفال دون السن القانونية، أو يستغلهم في الأعمال الشاقة أو الخطرة أو في التسول، بما يهدد سلامتهم وصحتهم ومستقبلهم.
وتؤكد أهمية نشر الوعي بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل، وتعزيز ثقافة حماية الأطفال من جميع أشكال الاستغلال، إلى جانب دعم التعليم، والحد من الفقر، وتحسين الأوضاع الاقتصادية للأسر، باعتبارها من أهم الوسائل الوقائية للحد من الظاهرة.
كما تشدد على ضرورة تعزيز التعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني، وإعداد دراسات علمية تسهم في تشخيص أسباب الظاهرة ووضع حلول عملية ومستدامة لمعالجتها.
– ما الذي يجب أن يتغير في طريقة تعامل السلطات مع الأطفال العاملين والمهاجرين؟
ترى بن عتيق أن الأطفال العاملين، ولا سيما الأطفال المهاجرون، يجب أن يُنظر إليهم باعتبارهم ضحايا يحتاجون إلى الحماية، وليس باعتبارهم مخالفين للقانون.
وتؤكد أن التعامل معهم ينبغي أن يقوم على احترام كرامتهم الإنسانية، وتوفير الحماية القانونية والاجتماعية والنفسية لهم، مع التحقيق في ظروف استغلالهم، ومحاسبة الأشخاص الذين يقفون وراء ذلك، بدلًا من الاقتصار على اتخاذ إجراءات بحق الأطفال أنفسهم.
كما تدعو إلى توفير برامج لإعادة التأهيل وإعادة دمج الأطفال في التعليم والمجتمع، بما يضمن تحقيق المصلحة الفضلى للطفل وفقًا للتشريعات الوطنية والمعايير الدولية.
الرسالة التي تودين توجيهها إلى السلطات الليبية والمنظمات الدولية والمجتمع
تختتم بن عتيق المقابلة بالتأكيد على أن حماية الأطفال مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة، ومؤسساتها، ومنظمات المجتمع المدني، والمجتمع بأسره، مشيرة إلى أن نجاح أي سياسة لمكافحة عمالة الأطفال يتطلب تعاونًا حقيقيًا بين جميع الأطراف.
كما تدعو إلى تحويل الالتزامات القانونية والاتفاقيات الدولية إلى إجراءات عملية وسياسات قابلة للتنفيذ، بما يضمن حماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي، وصون حقوقهم، وتوفير بيئة آمنة تكفل لهم النمو والتعليم والعيش الكريم.
وتشير إلى أن شعار اليوم العالمي لمناهضة عمل الأطفال لعام 2026، الذي رفع “البطاقة الحمراء” في وجه عمالة الأطفال، يمثل رسالة واضحة بضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة ضد كل من يستغل الأطفال، والعمل على إنهاء هذه الظاهرة بما يتوافق مع التشريعات الوطنية والالتزامات الدولية.
خاتمة
تكشف هذه المقابلة أن عمالة الأطفال في ليبيا لم تعد مجرد تحدٍ اجتماعي، بل أصبحت قضية قانونية وحقوقية وإنسانية تتطلب استجابة وطنية شاملة، تستند إلى إنفاذ التشريعات الوطنية، والوفاء بالالتزامات الدولية، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الأطفال إلى سوق العمل والاستغلال.
وتؤكد الآراء التي طرحتها المحامية جميلة الأمين بن عتيق أن حماية الأطفال لا تتحقق من خلال التدخلات الأمنية وحدها، وإنما عبر سياسات متكاملة تقوم على الوقاية، والحماية، وإنفاذ القانون، وتعزيز دور مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، بما يضمن صون حقوق جميع الأطفال، بمن فيهم الأطفال المهاجرون وطالبو اللجوء، وفق مبدأ المصلحة الفضلى للطفل وعدم التمييز.
ويأمل مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء أن تسهم هذه المقابلة في دعم الحوار الوطني حول سبل الحد من عمالة الأطفال، وتعزيز الجهود الرامية إلى تطوير السياسات العامة، وتحسين آليات الحماية، وترسيخ احترام حقوق الطفل بما يتوافق مع التشريعات الليبية والمعايير الدولية.

