من صبراتة 2017 إلى طبرق 2026: ماذا تكشف آلاف حالات التوقيف عن شبكات التهريب في ليبيا؟
ورقة تحليلية حول الحملات الأمنية ومسارات تهريب المهاجرين في ليبيا
إعداد: طارق لملوم
مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء
أكتوبر 2026
تعيد الحملة الأمنية الواسعة التي تشهدها مدينة طبرق ومحيطها منذ أواخر سبتمبر 2026 إلى الواجهة سؤالًا قديمًا في التعامل مع الهجرة غير النظامية في ليبيا:
عندما نجد آلاف المهاجرين متجمعين في مدينة ساحلية مرتبطة بمسارات العبور نحو أوروبا، هل تكمن المشكلة في وجود هؤلاء الأشخاص فقط، أم في الشبكات التي نقلتهم وجمعتهم ونظمت رحلاتهم واستفادت ماليًا منهم؟
هذا السؤال ليس جديدًا. ففي عام 2017 شهدت مدينة صبراتة مشهدًا يحمل بعض أوجه التشابه، رغم الاختلاف الكبير في الظروف والأطراف والسياق الأمني بين الحالتين.
ولا تهدف المقارنة بين صبراتة 2017 وطبرق 2026 إلى القول إن التجربتين متطابقتان، بل إلى لفت الانتباه إلى نمط يستحق الدراسة: وجود آلاف المهاجرين في مناطق ساحلية أصبحت نقاطًا للعبور البحري لا يمكن فهمه بمعزل عن شبكات النقل والتهريب والاتجار بالبشر والاقتصاد الذي نشأ حول هذه الطرق.
صبراتة 2017: عندما انكشف ما وراء آلاف المهاجرين
شهدت صبراتة خلال سبتمبر وأكتوبر 2017 أسابيع من الاشتباكات المسلحة. وبعد تغير السيطرة على المدينة، انكشف الحجم الكبير لوجود المهاجرين واللاجئين في مزارع ومنازل ومخازن ومواقع احتجاز غير رسمية مرتبطة بشبكات التهريب.
في 17 أكتوبر 2017، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنها تعمل على تلبية احتياجات أكثر من 14,500 مهاجر ولاجئ كانوا محتجزين لدى المهربين في مواقع مختلفة داخل صبراتة ومحيطها. كما أشارت إلى تقديرات السلطات الليبية آنذاك بوجود نحو 6,000 شخص إضافي ما زالوا لدى المهربين.
هذه الأرقام كشفت أن القضية لم تكن مجرد وجود آلاف المهاجرين في المدينة.
فالسؤال أصبح: من جمع هؤلاء الأشخاص؟ ومن نقلهم؟ ومن وفر أماكن احتجازهم أو إقامتهم؟ ومن نظم انتقالهم إلى الساحل والقوارب؟
وجود هذا العدد الكبير ضمن مسار عبور واحد يتطلب بنية لوجستية واسعة: وسائل نقل، وسطاء، أماكن للتجميع، تحويلات مالية، قوارب، محركات، وقود، واتصالات ونقاط انطلاق.
وبالتالي كان المهاجر هو الجزء الأكثر ظهورًا من المشهد، لكنه لم يكن الطرف الذي يدير المشهد.
طبرق 2026: آلاف الموقوفين تعيد السؤال نفسه
بعد نحو تسع سنوات، يعود السؤال من شرق ليبيا.
منذ أواخر سبتمبر 2026 تشهد طبرق ومنطقة البطنان حملة أمنية واسعة استهدفت المهاجرين والعمال الأجانب، بمشاركة جهات أمنية وعسكرية متعددة.
وأظهرت التصريحات والبيانات الصادرة خلال الأيام الأولى أرقامًا بالآلاف. وأعلن جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية ضبط 3,061 شخصًا خلال 48 ساعة، بينما تحدثت تصريحات أخرى من جهات أمنية محلية عن رقم اقترب من أربعة آلاف شخص خلال الأيام الأولى.
واستمرت عمليات الضبط بعد ذلك، بما في ذلك الإعلان عن مئات الحالات الإضافية.
وبناء على البيانات والتصريحات المتتابعة، إلى جانب الرصد الميداني، تشير التقديرات إلى أن الحصيلة التراكمية تجاوزت خمسة آلاف شخص.
لكن ينبغي التعامل مع هذا الرقم بوصفه تقديرًا تراكميًا، وليس إحصائية رسمية نهائية، بسبب استمرار العمليات واحتمال تداخل بعض الأرقام الصادرة عن الجهات المختلفة.
والأهم من الرقم نفسه هو السؤال الذي يطرحه:
كيف وصل آلاف المهاجرين إلى طبرق أصلًا؟
طبرق ليست من المدن الليبية الكبرى من حيث عدد السكان أو حجم سوق العمل. ولذلك فإن وجود عدة آلاف من المهاجرين داخل المدينة ومحيطها خلال فترة واحدة يحتاج إلى تفسير أعمق من اعتبارهم مجرد أفراد وصلوا إليها بصورة عشوائية.
وفي الوقت نفسه، ليس من الدقة افتراض أن كل مهاجر موجود في طبرق جاء بهدف العبور إلى أوروبا.
فبين المقبوض عليهم عمال ومقيمون، وهناك أشخاص تم توقيفهم من مساكنهم وأماكن عملهم والطرقات. كما قد يكون بينهم لاجئون وطالبو لجوء وضحايا اتجار بالبشر وأشخاص بحاجة إلى الحماية.
لكن لا يمكن، في المقابل، فصل وجود هذه الأعداد الكبيرة عن التحول الذي شهدته منطقة طبرق إلى إحدى نقاط الانطلاق المهمة على المسار البحري من شرق ليبيا باتجاه كريت وغافدوس واليونان.
ومن هنا يصبح السؤال ضروريًا:
ما نسبة هؤلاء الأشخاص الذين وصلوا إلى المنطقة ضمن شبكات تنظم العبور نحو أوروبا؟ ومن يقف وراء وصولهم؟
أين المهربون في صورة الحملة؟
معظم الصور والمعلومات المتداولة عن الحملة تركز على المهاجرين:
– مهاجرون جرى توقيفهم.
– مهاجرون يجري تجميعهم.
– مهاجرون داخل الشاحنات.
وأعداد يجري الإعلان عن ضبطها ونقلها وإبعادها.
لكن إذا كان جزء من هؤلاء الأشخاص قد وصل إلى طبرق ضمن رحلة منظمة للوصول إلى الساحل وعبور البحر المتوسط، فلا يمكن أن تتوقف التحقيقات عند الشخص المهاجر.
يجب أن تمتد الأسئلة إلى:
من نقلهم إلى طبرق؟ ومن استقبلهم؟ ومن وفر أماكن التجميع والإقامة؟ ومن نسق انتقالهم بين المناطق؟ ومن جمع الأموال؟ ومن وفر القوارب والمحركات والوقود؟ ومن نظم مواعيد الانطلاق؟
هذه ليست أسئلة هامشية؛ بل هي جوهر مكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.
خمسة آلاف شخص لا يصلون إلى مدينة واحدة بالصدفة
نقل آلاف الأشخاص عبر مسافات طويلة وتجميعهم في منطقة ساحلية يحتاج إلى منظومة لوجستية ومالية.
هناك ناقلون ووسطاء.
هناك أماكن للإقامة والتجميع.
هناك أموال وتحويلات.
هناك قوارب ومحركات ووقود.
وهناك أشخاص ينظمون مراحل الرحلة المختلفة.
ولهذا فإن التعامل الأمني الذي ينتهي عند اعتقال المهاجر ونقله خارج المدينة قد يتعامل مع النتيجة الظاهرة، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة الآلية التي أنتجتها.
فإذا بقيت الشبكات القادرة على نقل الأشخاص إلى الساحل وتجميعهم وتنظيم الأموال والقوارب قادرة على العمل، فإن إبعاد آلاف المهاجرين اليوم لا يمنع وصول آلاف آخرين لاحقًا.
من صبراتة إلى طبرق: تغيرت الجغرافيا وبقي السؤال
تكشف تجربة صبراتة عام 2017 أهمية النظر خلف الأعداد.
فبعد الاشتباكات ظهر أكثر من 14,500 مهاجر ولاجئ كانوا محتجزين لدى المهربين في مواقع مختلفة، بينما تحدثت تقديرات السلطات عن آلاف آخرين.
اليوم لا ينبغي انتظار أزمة مشابهة حتى تُطرح الأسئلة نفسها في طبرق.
ولا تعني المقارنة أن جميع المهاجرين الموجودين في طبرق محتجزون لدى مهربين، أو أن كل شخص منهم يريد الوصول إلى أوروبا، كما لا تعني أن بنية التهريب الحالية مطابقة لما كان قائمًا في صبراتة عام 2017.
لكن هناك عناصر تستحق التحقيق:
مدينة ساحلية، وطريق بحري نشط نحو أوروبا، وآلاف المهاجرين، وعمليات عبور متكررة، وشبكات قادرة على النقل والتجميع والتمويل.
وهذا يجعل التحقيق في البنية التي تدير حركة التهريب ضرورة موازية لأي حملة تستهدف المهاجرين.
الاعتقال الجماعي لا يفكك شبكات التهريب
للأجهزة الأمنية مسؤولية في تطبيق القانون وملاحقة جرائم تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، لكن مكافحة هذه الجرائم لا ينبغي أن تعني التعامل مع آلاف الأشخاص باعتبارهم مجموعة واحدة متجانسة.
فبين المقبوض عليهم قد يكون هناك عامل مهاجر، ولاجئ فار من نزاع مسلح، وطالب لجوء، وضحية اتجار بالبشر، وشخص دفع لمهرب للوصول إلى أوروبا، وقاصر، وامرأة أو أسرة بحاجة إلى الحماية.
أما تفكيك شبكات التهريب فيحتاج إلى إجراءات أكثر تعقيدًا:
تتبع الأموال، والتحقيق مع الوسطاء والناقلين، وكشف أماكن التجميع، وملاحقة منظمي الرحلات، وتحديد المسؤولين عن القوارب، والتحقيق في أي حماية أو تسهيلات قد تحصل عليها شبكات التهريب والاتجار بالبشر.
لا ينبغي قياس نجاح الحملة بعدد المهاجرين المعتقلين فقط
إذا انتهت الحملة بإعلان توقيف أو إبعاد أكثر من خمسة آلاف مهاجر من طبرق، فإن الرقم وحده لا يوضح مدى نجاح السلطات في ضرب شبكات التهريب.
هناك أسئلة أخرى ينبغي أن تكون جزءًا من تقييم أي عملية من هذا النوع:
– كم شبكة تهريب تم تفكيكها؟
– كم مهربًا أو شخصًا متهمًا بالاتجار بالبشر أُحيل إلى القضاء؟
– كم موقعًا يستخدم للتجميع تم كشفه؟
– كم وسيلة نقل أو قاربًا مرتبطًا بالتهريب تمت مصادرته؟
– كم من الأموال المرتبطة بهذه الأنشطة تم تتبعها؟
– وكم شخصًا تم التعرف عليه باعتباره ضحية اتجار بالبشر أو شخصًا بحاجة إلى الحماية؟
الخلاصة: ابحثوا عن الشبكة لا عن الحلقة الأضعف فقط
تقدم تجربة صبراتة عام 2017 درسًا يستحق استحضاره عند قراءة ما يحدث في طبرق عام 2026:
عندما نجد آلاف المهاجرين في مدينة عبور، لا يكفي أن نسأل كيف نخرجهم منها.
بل يجب أن نسأل:
– من أوصلهم إليها؟
– من جمعهم؟
– من نظم رحلاتهم؟
– من يتاجر بهم؟
– ومن يربح من استمرار هذا الطريق؟
إذا كانت الغاية هي مكافحة الهجرة غير النظامية وتهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، فإن تفكيك الشبكات التي تجعل وصول آلاف الأشخاص إلى الساحل ممكنًا يجب أن يكون في قلب الاستجابة الأمنية والقضائية.
أما إذا بقي من ينظم الطريق ويموله ويستفيد منه خارج دائرة المساءلة، فإن اعتقال الحلقة الأضعف ونقلها خارج المدينة لن يعالج جذور المشكلة.
مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء
أكتوبر 2026


