رسم تعبيري يرمز إلى التعذيب وسوء المعاملة وانتهاك الكرامة الإنسانية في ليبيا.

عندما يصبح التعذيب ثقافة: كيف تمدد خارج أماكن الاحتجاز؟

في السادس والعشرين[26] من يونيو من كل عام يحيي العالم اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، باعتباره مناسبة لتجديد الالتزام بحظر التعذيب، ودعم الناجين، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة التي تحظرها القوانين الدولية والتشريعات الوطنية.

إلا أن الواقع الليبي يفرض قراءة مختلفة لهذا اليوم. فالتعذيب في ليبيا لم يعد ظاهرة يمكن حصرها داخل السجون أو أماكن الاحتجاز، بل أصبح في كثير من الأحيان انعكاسًا لثقافة عنف اتسعت رقعتها خلال سنوات الانقسام والنزاعات المسلحة، حتى امتدت إلى المجتمع والأسرة والمدرسة والشارع، وأصبحت وسيلة يلجأ إليها البعض للانتقام أو فرض النفوذ أو إذلال الخصوم.

لقد ركزت التقارير الحقوقية لسنوات على ما يتعرض له المحتجزون داخل السجون الرسمية وغير الرسمية، وعلى الانتهاكات التي تطال المهاجرين وطالبي اللجوء في الصحراء أو في أماكن الاحتجاز السرية، حيث استخدم التعذيب والمعاملة المهينة والابتزاز والعنف الجنسي للحصول على الفدية أو فرض السيطرة. إلا أن المشهد الليبي اليوم أصبح أكثر اتساعًا وتعقيدًا.

فخلال عامي 2025 و2026 برزت عشرات الوقائع التي وثقتها وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان وشبكات الرصد المحلية، وأظهرت تعرض أشخاص للخطف والتعذيب والمعاملة المهينة خارج إطار الاحتجاز الرسمي. ولم يعد الأمر يقتصر على الاعتداء الجسدي، بل وصلت بعض الحالات إلى تصوير الضحايا أثناء تعذيبهم أو إهانتهم ونشر تلك المقاطع أو تداولها بقصد الإذلال أو بث الرعب أو الانتقام، وهو مؤشر خطير على تراجع احترام الكرامة الإنسانية وتحول العنف إلى وسيلة للتشهير وإثبات النفوذ.

والأخطر أن دائرة الضحايا لم تعد تقتصر على الرجال أو الأشخاص المرتبطين بالنزاعات المسلحة، بل امتدت إلى النساء والأطفال. فقد شهدت ليبيا خلال السنوات الأخيرة حوادث عنف أسري، واعتداءات جسدية ونفسية على الأطفال، واحتجازًا غير قانوني داخل بعض البيوت، إضافة إلى وقائع اعتداء بين المراهقين والشباب وصلت في بعض الحالات إلى الخطف والتعذيب والإذلال والتصوير بقصد التشهير. إن هذه الوقائع تكشف أن العنف لم يعد مجرد مشكلة أمنية، بل أصبح تحديًا اجتماعيًا وثقافيًا يستوجب المعالجة.

ورغم خطورة هذه الظاهرة، لا تزال ليبيا تفتقر إلى قاعدة بيانات وطنية أو آلية موحدة لرصد وتوثيق جرائم التعذيب وسوء المعاملة. فلا توجد إحصاءات رسمية معلنة توضح عدد الضحايا، أو البلاغات، أو التحقيقات، أو الأحكام القضائية المتعلقة بهذه الجرائم. كما أن الانقسام المؤسسي أدى إلى احتفاظ كل جهة بما لديها من معلومات، إن وجدت، دون وجود منظومة وطنية لتبادل البيانات أو تحليلها أو نشرها.

وأمام هذا الفراغ، أصبحت المعلومات موزعة بين منظمات المجتمع المدني، والمراكز الحقوقية المحلية والدولية، ووسائل الإعلام، والمبادرات الفردية. ورغم أهمية هذه الجهود، فإنها لا تزال تعمل بصورة متفرقة، ولا توجد بينها آليات تنسيق أو قاعدة بيانات مشتركة تسمح بتقدير الحجم الحقيقي للظاهرة أو متابعة تطورها.

إن ضعف التوثيق لا يحرم صناع القرار من المعلومات فحسب، بل يحرم الضحايا أيضًا من العدالة. فكل حالة لا يتم توثيقها أو الإبلاغ عنها تقل فرص التحقيق فيها، وتضعف إمكانية محاسبة المسؤولين عنها، كما تقل فرص حصول الضحايا على الدعم القانوني والنفسي والطبي، وإعادة التأهيل، والتضامن المحلي والدولي.

ولا يقل دور الإعلام أهمية عن دور المؤسسات الحقوقية. فقد ساهمت وسائل الإعلام الليبية في كشف العديد من الوقائع ونقلها إلى الرأي العام، إلا أن دورها ظل في معظمه مقتصرًا على تغطية الحوادث بعد وقوعها. ولا تزال ليبيا بحاجة إلى استراتيجية إعلامية وطنية تشارك فيها المؤسسات الإعلامية والرسمية ومنظمات المجتمع المدني، تهدف إلى ترسيخ ثقافة رفض التعذيب، ورفع الوعي بمخاطره القانونية والإنسانية، وتعزيز احترام الكرامة الإنسانية، بدل الاكتفاء بتحويل حوادث التعذيب إلى أخبار يومية سرعان ما ينتهي أثرها بانتهاء دورة الأخبار.

كما لا يمكن تجاهل أثر البيئة الأمنية التي نشأت خلال سنوات الصراع. فقد أدى استمرار وجود تشكيلات مسلحة تعمل تحت سلطات مختلفة أو تتبعها، في عدد من المناطق، إلى ترسيخ ممارسات تجاوزت في بعض الأحيان الأطر القانونية، مثل الاحتجاز خارج الضمانات القانونية، وإجراء استجوابات أو تحقيقات بعيدًا عن السلطة القضائية المختصة، ونشر تسجيلات مصورة لأشخاص أثناء احتجازهم أو استجوابهم أو بعد تعرضهم للإكراه أو الاعتداء، مع تقديمهم للرأي العام باعتبارهم مذنبين قبل استكمال الإجراءات القضائية. وتمثل هذه الممارسات خروجًا على مبادئ المحاكمة العادلة، وتمس بقرينة البراءة، كما تسهم في تطبيع مشاهد الإذلال والعنف، وتضعف الثقة في الدور الحصري الذي يجب أن تضطلع به جهات إنفاذ القانون وفقًا للقانون.

إن أخطر ما تواجهه ليبيا اليوم ليس فقط استمرار وقوع التعذيب، بل خطر اعتياد المجتمع على مشاهد العنف والإذلال، حتى أصبحت بعض صور التعذيب والتشهير تُتداول في وسائل التواصل الاجتماعي دون إدراك كافٍ لما تمثله من انتهاك جسيم لكرامة الإنسان.

إن مكافحة التعذيب في ليبيا لا تبدأ فقط بمحاسبة الجناة، بل تبدأ أيضًا بإعادة بناء ثقافة تحترم الإنسان، وتؤمن بأن العدالة لا تتحقق بالتعذيب، ولا بالإذلال، ولا بالانتقام، وإنما بسيادة القانون، واستقلال القضاء، ومهنية جهات إنفاذ القانون، وحماية الضحايا، وتعزيز قيم الكرامة الإنسانية داخل الأسرة، والمدرسة، ووسائل الإعلام، ومؤسسات الدولة، والمجتمع بأسره.

موضوعات ذات صلة

  • تقرير حول الأوضاع الحقوقية والإنسانية في مدينة بنغازي لعام 2013م

    مقدمة يأتي هذا التقرير استكمالًا لجهود مؤسسة بلادي لحقوق الإنسان في رصد وتوثيق أوضاع مراكز الاحتجاز والسجون في مدينة بنغازي، وذلك بعد إصدار تقرير عام 2012، والذي استند إلى زيارات ميدانية متكررة، ومقابلات فردية مع محتجزين، وتوثيق مباشر للانتهاكات. واجه فريق المؤسسة خلال أعمال الرصد صعوبات متعددة، تمثلت في القيود المفروضة من قبل القائمين على…

  • تقرير حول أوضاع المهاجرين غير النظاميين المحتجزين في مدينة بنغازي

    تاريخ الصدور: ديسمبر 2012م الجهة المُصدِرة: مؤسسة بلادي لحقوق الإنسان والإعلام مقدمة أصدرت مؤسسة بلادي لحقوق الإنسان والإعلام هذا التقرير في إطار التزامها برصد وتوثيق أوضاع حقوق الإنسان في مدينة بنغازي خلال عام 2012، مع تركيز خاص على أوضاع المهاجرين غير النظاميين والأجانب المحتجزين. استند التقرير إلى سلسلة زيارات ميدانية مباشرة، شملت مراكز احتجاز رسمية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *